قال ـأُبَيّ ـ نعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ... » [1] قال ابن حجر: [وفي الحديث جواز التجادل في العلم إذا كان بغير تعنت، والرجوع إلى أهل العلم عند التنازع، والعمل بخير الواحد الصادق ... ] [2] .
قلت: فإذا لم يكن لدى المسئولين في المعسكر جواب للأمور الخلافية، تؤجل هذه إلى حين سؤال المختصين إما بمراسلتهم أو بالرجوع إليهم، كما حدث من الصحابة لما اختلفوا مع أمرائهم فرجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأفتاهم. ومن أمثلة هذا: لَمَّا أَمَرَ عبد الله بن حذافة أصحابه أن يُوقدوا نارا ثم يدخلوها فامتنعوا [3] ، وكذلك لما أمر خالد بن الوليد أصحابه بقتل الأسرى من بني جذيمة فامتنعوا [4] ، وكان الأمراء على خطأ في هذين المثالين. قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} أي الكتاب والسنة إجماعا.
8 = وعلى الأمير ألا يسمح بتكوين تحزبات داخل الجماعة، بما يفرق الشمل ويزرع الخصومات وهنا تنبيه هام فالتجمعات داخل جماعةٍ ما نوعان: جائز محمود، ومنهي عنه مذموم.
فالجائز المحمود: هو اجتماع كل فئة تربطها رابطة، مثل تجمع أهل البلد الواحد أو القبيلة الواحدة أو اللغة الواحدة وما شابه ذلك، فالسنة أن يقاتل كل رجل مع قومه، وقال تعالى: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [5] . وعلى الأمير أن يجعل على كل طائفة عريفا يرفع إليه أخبارهم وينقل إليهم توجيهات الأمير، وروى أبو داود من طريق المقدام بم معد يكرب رفعه «العَرَافَة حق ولابد للناس من عريف» ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ» [6] ، وقال ابن حجر: [قال ابن بطال: في الحديث مشروعية إقامة العرفاء لأن الإمام لا يمكنه أن يباشر جميع الأمور بنفسه فيحتاج إلى إقامة من يعاونه ليكفيه ما يقيمه فيه، قال: والأمر والنهي إذا توجه إلى الجميع يقع التوكل فيه من بعضهم فربما وقع التفريط، فإذا أقام على كل قوم عريفا لم يسع كل أحد إلا القيام بما أُمِر به] [7] . وعلى الأمير [أن يجعل لكل طائفة شعارا يَتَدَاعَون إليه ليصيروا به متميزين، وبالاجتماع فيه متظاهرين. وقد عروة بن الزبير عن أبيه (أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل شعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله، وسعى خيله خيل الله) [8] ] [9] .
(1) - الحديث رقم 74
(2) - (فتح الباري 1/ 169)
(3) - رواه البخاري عن علي، حديث: 7145
(4) - رواه البخاري عن ابن عمر، حديث 7189
(5) - سورة الحجرات، الآية: 13
(6) - رواه البخاري
(7) - (فتح الباري) ج 13 ص 169
(8) - رواه البيهقي
(9) - (الأحكام السلطانية) لأبي يعلى ص 40