10 = وعلى الأمير أن ينصف أتباعه بعضهم من بعض، فإذا وقعت خصومات بين أتباعه فعليه أن يفصل فيها بنفسه، أو يعين نائبا عنه للمظالم ينصف المظلوم ويأخذ على يد الظالم بالزجر والتعزير، لتصير الأمور بالعدل منضبطة، ونقمة الرب عن الجند مرتفعة، مع الاحتراز من توقيع العقوبات البليغة إذا كان الجند بأرض العدو، بدار الحرب لحديث «لا تُقطع الأيدي في الغزو» [1] ، والعمل عليه عند بعض أهل العلم، منهم الأوزاعي أن لا يقام الحد في الغزو بحضرة العدو، ومخافة أن يَلْحَق مَن يُقام عليه الحد بالعدو، فإذا رجع الإمام إلى دار الإسلام أقام عليه الحد [2] . وقال ابن قدامة إن هذه المسألة عليها إجماع من الصحابة وقال بها الأوزاعي وإسحاق وخالف فيها مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر [3] .
قلت: فإذا كانت الخصومة بين الإخوة المسلمين في حق بعضهم بعضا، فالإصلاح أولى من العقوبة، وعلى الأمير أو نائبه أن يعظ المتخاصمين ويذكرهم بأم يتعارفوا فيما بينهم وأن يتناسوا حظوظ أنفسهم خاصة في ساحة الجهاد، والإصلاح أنفع من العقوبة في إزالة الشحناء والبغضاء، قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [4] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصوم والصلاة والصدقة؟» قالوا بلى يا رسول الله؟ قال: «إصلاح ذات البين، وفساد ذات البين الحالقة» [5] .
11 = وعلى الأمير ألا يستأثر بشيء دون أتباعه حتى لا تتغير القلوب عليه، فعليه أن يأكل مما يأكلون وينام كما ينامون ويركب كما يركبون أو دونهم، ولا يخص نفسه بشيء من المتاع دونهم إلا ما تستدعيه ضرورة عمله. وعليه أن يشاركهم في التدريبات المختلفة فذلك أنشط لهم وأكثر فائدة له ما أمكنه ذلك.
12 = ويجوز للأمير أن يسوس أتباعه بالأمر المفضول إذا دعت المصلحة إلى ذلك، ما لم يكن محرما، ودليل ذلك ما رواه البخاري بسنده عن الأسود بن يزيد: كانت عائشة تُسِرُّ إليك كثيرا، فما حدثتك في الكعبة؟ قلت: قالت لي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة لولا قومك حديث عهدهم ـ قال ابن الزبير: بكفر ـ لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين: باب يدخل الناس، وباب يخرجون» ففعله ابن الزبير [6] . وقال ابن حجر: [في الحديث معنى ما ترجم له أن قريشا كانت تعظم أمر الكعبة جدا، فخشي صلى الله عليه وسلم أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غَيَّر بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك، ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في
(1) - رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن بشر بن أرطأة (ويقال بسر بن أرطأة، أو ابن أبي أرطأة، وفي صحبته وسماعه من النبي (( خلاف. قال الترمذي: حديث غريب
(2) - (نصب الراية) للزيلعي ج 3 ص 344
(3) - (المغني والشرح الكبير) ج 10 ص 537 ـ 538
(4) - سورة الأنفال، الآية: 1
(5) - رواه الترمذي وصححه عن أبي الدرداء، والحالقة أي التي تحلق الدين
(6) - روى الإمام البخاري هذا الحديث في كتاب العلم من صحيحه (باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يَقْصُر فَهْمُ بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه) وكلمة الاختيار تعنى المباحات والمستحبات لا الأوامر والنواهي حيث لا اختيار.