أنكر منه، وأن الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولا ما لم يكن محرما] [1] ، والشاهد من الحديث أن الأمر الأفضل هو تعديل بناء الكعبة والمفضول تركها على حالها، فالنبي صلى الله عليه وسلم ترك الأفضل واكتفى بالمفضول إذ كان هو الأصلح في سياسة الناس، وهذا كما قلنا في الاختيار أي ما يسع المرء فعله أو تركه ولا يترتب على تركه إثم.
وذكرت مسألة سياسة الرعية بالأمر المفضول في باب وحدة الجماعة إذ الحكمة من ترك الأفضل هو الاحتراز من الشقاق والخلاف. ولا ينبغي لآحاد الرعية أن يطالب الأمير بالأفضل طالما أداه اجتهاده إلى أن العمل بالمفضول أصلح للناس وأجمع لشملهم من الاختلاف والتفرق وهذا يدخل في قاعدة (درء المفاسد أولى من جلب المنافع) وقال الشيخ أحمد الزرقا في شرح هذه القاعدة: [فإذا تعارضت مفسدة ومصلحة قُدِّم دفع المفسدة غالبا لأن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، قال عليه الصلاة والسلام: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» [2] ] [3] .
ولا يسوغ لآحاد الرعية مخالفة الأمير في هذا ما لم يكن المفضول إثما، بل على الكل اتباع الأمير حفاظا على وحدة الجماعة. ومن أمثلة هذا متابعة عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر لأمير المؤمنين عثمان بن عفان لَمَّا أتم الصلاة بِمِنَى في موسم الحج، رضي الله عنهم، خلافا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في ذلك، إذ كانوا يُقْصِرون الصلاة بمنى. روى مسلم عن نافع عن ابن عمر قال: (صَلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعده، وعثمان صدرا من خلافته، ثم إن عثمان صَلَّى بَعْدُ أربعا، فكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعا وإذا صلى وحده صلى ركعتين) . وروى البخاري ومسلم قريبا من هذا عن عبد الله بن مسعود فعن عبد الله بن زيد قال: (صلى بنا عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، فاستَرْجَع ثم قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمِنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر - رضي الله عنه - بمِنى ركعتين، وصليت مع عمر - رضي الله عنه - بمِنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان) . وقال ابن حجر: [وإنما استرجع ابن مسعود لما وقع عنده من مخالفة الأَوْلَى، ويؤيده ما رواه أبو داود (أن ابن مسعود صلى أربعا، فقيل له: عِبْتَ عَلَى عثمان ثم صليت أربعا، فقال الخلاف شر) وفي رواية البيهقي (إني لأكره الخلاف) ] [4] .
قلت: فهنا تابع الصحابة عثمان في العمل بالمفضول (وهو إتمام الصلاة) وترك الأفضل (وهو قصرها) سدا لذريعة الاختلاف كما قال ابن مسعود. وقد كان عثمان - رضي الله عنه - متأوِّلا في إتمامه [5] .
(1) - (فتح الباري) ج 1 ص 224 ـ 225 حديث 126
(2) - متفق عليه عن أبي هريرة
(3) - (شرح القواعد الفقهية) ط 1 ص 151 ـ قاعدة 29
(4) - (فتح الباري) 2/ 564
(5) - انظر فتح الباري 2/ 571