? وهذا الحرمان من التأييد الإلهي وهذه النقم النازلة بنا، لن ترتفع عنا إلا إذا غَيَّرنا حالنا إلى ما يُحِبُ ربُّنا سبحانه ويَرْضَى، لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [1] ، وهذا هو الأصل الخامس.
وفي ضوء ما سبق نستطيع أن نقول إن التيارات الإسلامية المعاصرة ـ خاصة من يسعى منها لإعادة دولة الإسلام ـ لم تستكمل بعد أدنى مقومات النصر والتمكين، على تفاوت شديد بينها في هذا الشأن، فَمُقِل ومُسْتَكْثِر ومحروم. قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [2] .
ثانيا: أهمية الإعداد الإيماني للجهاد.
الإعداد الإيماني أساس لازم لجميع التكاليف الشاقة ومنها الجهاد، ومن ذلك أمر الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلا نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا} [3] ، فأمره سبحانه بالاجتهاد في العبادة استعدادا لتحمل القول الثقيل وهو أعباء الرسالة.
وهذه قاعدة عامة وهامة: وهي أن التكاليف الشرعية الشاقة لا بد لها من إعداد إيماني فإذا تم هذا الإعداد صار المرء مؤهلا لأداء التكليف الشاق كالجهاد ونحوه، وصار مؤهلا للتأييد والتثبيت الإلهي قدرا، قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [4] ، وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [5] .
وبالإعداد الإيماني يتحقق أحد شرطي السنة القدرية بنصر المؤمنين كما سبق بيانه.
والإعداد الإيماني يجبر نقص العدد والعدة لدى المسلمين بالنسبة لأعدائهم. قال تعالى: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [6] ، فالفئة القليلة هنا عَوَّضت النقص العددي لديها بالصبر وهو من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد كما قال على بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
وقال عمر بن الخطاب في رسالته إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنها في مسير سعد إلى غزو الفرس: (فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو ـ إلى قوله ـ فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة) وقد ذكرتها من قبل.
(1) - سورة الرعد، الآية: 11
(2) - سورة يونس، الآية: 44
(3) - سورة المزمل، الأيات: 1 ـ 5
(4) - سورة النساء، الآيات: 66 ـ 68
(5) - سورة الطلاق، الآيتان: 2 ـ 3
(6) - سورة البقرة، الآية:249