فهرس الكتاب

الصفحة 246 من 403

والأعمال الصالحة هي جنود يحفظ الله بها صاحبها، ويثبته عند لقاء العدو وعكسه بعكسه، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} [1] .

وكر البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه قال: [باب (عمل صالح قبل القتال) . وقال أبو الدرداء: (إنما تقتلون بأعمالكم) . وقال ابن حجر في الشرح إن الأثر ورد عن أبي الدرداء بانقطاع في السند كاملا هكذا أيها الناس عمل صالح قبل الغزو فإنما تقاتِلون بأعمالكم)] [2] .

وبالإعداد الإيماني يتماسك الصف المسلم كأنه بنيان مرصوص، وبدون ذلك لا يقوى هذا الصف على الثبات لعدوه، وتماسك الصف يقوم على قيام المسلمين بالحقائق الإيمانية من المَوَدَّة والإيثار والبذل والعفو والتراحم، فبهذا يتماسك الصف كأنه جسد واحد، كما في حديث النعمان بن بشير مرفوعا: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد» [3] .

والإعداد الإيماني من أسباب جمع شمل المسلمين.

قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [4] ، فالتمسك بالكتاب والسنة عاصم من التفرق والاختلاف، وقد ذَكَّرهم الله تعالى كيف كانوا أعداء فألف بين قلوبهم بحبل الإيمان وأن التفريط في هذا الحبل يؤدي بهم إلى العداوة والتفرق كما كانوا من قبل، وكما في قوله تعالى: {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} [5] ، وقوله تعالى: {فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [6] ، فنسيان وإهمال بعض الشريعة ومخالفتها مجلبة للعداوة والبغضاء فالتفرق والفتن لا محالة، وهذا فشل داخلي يعقبه خذلان أمام العدو {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا} [7] ، فالتفرق عقوبة قدرية لمن حادوا عن الشريعة وهو في نفسه سبب للخذلان أمام العدو.

وهذا يبين أهمية الإعداد الإيماني في جمع شمل المسلمين ليقووا على نِزَال عدوهم، ولا شيء يجمع شمل المسلمين إلا حبل الإيمان والاعتصام بالكتاب والسنة، فالقلوب بيد الله تعالى يصرفها كيف يشاء، وقد جعل سبحانه هذا الاعتصام سببا لتأليف القلوب، فليس هناك سبب غيره، قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ

(1) - سورة آل عمران، الآية: 155

(2) - (فتح الباري) ج 6 ص 24

(3) - متفق عليه

(4) - سورة آل عمران، الآية: 103

(5) - سورة المائدة، الآية: 14

(6) - سورة النور، الآية: 63

(7) - سورة الأنفال، الآية: 46

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت