قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [1] ، فالألفة والاجتماع من تواب الطاعة، والبغضاء والتفرق من عقوبة المعصية، وهذه أحكام قدرية لا تتخلف.
ولأهمية هذا الأمر سنفرده بالبحث في الملحق الأول (وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة) في نهاية هذه المسألة.
آية الإعداد الإيماني للجهاد
ومما يدل على أهمية الإعداد الإيماني للجهاد أن الله عَقَّب آية بيعة الله على الجهاد والشهادة {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [2] ، عَقَّبها سبحانه بذكر صفات هؤلاء المجاهدين في قوله تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ} [3] ، وقد اشملت هذه الآية على فضائل الأعمال الظاهرة والباطنة، والذين اجتهدوا في هذه الطاعات هم الذين قبلوا مبايعة الله على الجهاد والاستشهاد.
ومن صفات المجاهدين المذكورة في هذه الآية {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ} إلى آخر الآية أود أن أنبه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الله وصف به المؤمنين حال الجهاد ههنا بقوله {الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ} ، ووصفهم به بعد النصر والتمكين في آية الحج {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} .
فهو وصف لازم لهم في كل حال، زمن الضعف والخوف وزمن النصر والتمكين، لا يمنعهم هذا ولا يطغيهم هذا عن تركه، كذلك فإنه وصف لهذه الأمة {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [4] ، فعلق سبحانه خَيْرِية هذه الأمة على هذا الشرط وهو القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أيضا صفة نبي هذه الأمة صلى الله عليه وسلم {الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَامُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ} [5] .
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحفظ للمسلمين أفرادا وجماعات دينَهم من النقص وسلوكَهم من الزلل والانحراف، وهو أهم عامل في الحفاظ على استقامة المجموع على حدود الله، ولذلك فقد ورد في آية التوبة بعد ذكر صفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قوله تعالى: {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} لكون الأمر والنهي يحفظ على الناس دينهم،
(1) - سورة الأنفال، الآيتان: 62 ـ 63
(2) - سورة التوية، الآية: 111
(3) - سورة التوبة، الآية: 112
(4) - سورة آل عمران، الآية: 110
(5) - سورة الأعلااف، الآية: 157