فهرس الكتاب

الصفحة 266 من 403

وهذا هو مذهب أهل البدع والضلالات كالجهمية والمعتزلة وغيرهم، يُحَكِّمون العقل في الشرع، قال شارع العقيدة الطحاوية: [بل كل فريق من أرباب البدع يعرض النصوص على بدعته، وما ظنه معقولا: فما وافقه قال: إنه مُحْكَم، وقبله واحتج به!! وما خالفه قال: إنه متشابه، ثم رَدَّه وسمى رده تفويضا! أو حرفه، وسمى تحريفه تأويلا!! فلذلك اشتد إنكار أهل السنة عليهم. وطريق أهل السنة: أن لا يَعْدِلوا عن النص الصحيح، ولا يعارضوه بمعقول، ولا قول فلان] [1] .

وقريب من هذا ما قاله الشاطبي في مأخذ أهل البدع في الاستدلال [2] .

وقال ابن القيم: [وكل من له مُسْكَة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا فسد أمرها أتم الفساد، فلا إله إلا الله كم نُفِيَ بهذه الآراء من حق، وأُثْبِت بها من باطل، وأُميت بها من هدي، وأُحيي بها من ضلالة؟] [3] . وذكر ابن القيم طائفة من أقوال السلف في الرأي المذموم [4] ، ومما قاله رحمه الله: [قال الله: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [5] ، فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما، إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به، وإما اتباع الهوى، فكل ما لم يأت به الرسول فهو من الهوى ـ إلى أن قال ـ وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [6] ، فقسم الأمر بين الشريعة التي جعله هو سبحانه عليها وأوحى إليه العمل بها وأَمَرَ الأمة بها وبين اتِّباع أهواء الذين لا يعلمون، فَأَمَر بالأول، ونهى عن الثاني] [7] .

قلت: ونحن لا نحقر من شأن العقل، فهو مناط التكليف، وقد أثنى الله سبحانه على أولي الألباب في ست عشرة آية، وذم سبحانه الذين لا يعقلون، ووصف سبحانه أصحاب النار بأنهم {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [8] ، فنحن لا نحقر العقل، ولكن نقول إن العقل لا يقدم على الشرع وإلا استغنى الخلق عن الرسل،

(1) - (شرح العقيدة الطحاوية) ط المكتب الإسلامي 1403 ص 399

(2) - (الاعتصام 1/ 231)

(3) - (إعلام الموقعين ج 1 ص 68)

(4) - (إعلام الموقعين 1/ 47 ـ 49)

(5) - سورة القصص، الآية: 50

(6) - سورة الجاثية، الآيتان: 18 ـ 19

(7) - (إعلام الموقعين 1/ 47)

(8) - سورة الملك، الآية: 10

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت