فهرس الكتاب
قلت: ومما يتعلق بمعرفة الأدلة الشرعية ومراتبها ثلاثة أمور
الأول: أن هذه الأدلة ترجع إلى أصلين، وهما الكتاب والسنة، ونصوصهما ينبغي أن تفهم كما فهمهما الصحابة والتابعون لهم بإحسان، فإنهم أعلم بالمراد منها، فعليهم أنزلت، وفي هذا سد لباب التأويل والتلاعب بالأدلة الشرعية، وقد بَيَّن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية في (العقيدة الواسطية) وقال شارحها الشيخ محمد خليل هراس [هذا بيان لمنهج أهل السنة والجماعة في استنباط الأحكام الدينية كلها أصولها وفروعها ـ بعد طريقتهم في مسائل الأصول ـ وهذا المنهج يقوم على أصول ثلاثة: أولها ـ كتاب الله - عز وجل - الذي هو خير الكلام وأصدقه، فهم لا يقدِّمون على كلام الله أحد من كلام الناس. وثانيها ـ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أثر عنه من هَدْي وطريقة لا يقدِّمون على ذلك هَدْي أحد من الناس. وثالثها ـ ما وقع عليه إجماع الصدر الأول من هذه الأمة قبل التفرق والانتشار وظهور البدعة والمقالات، وما جاءهم بعد ذلك مما قاله الناس وذهبوا إليه من المقالات وزنوها بهذه الأصول الثلاثة التي هي الكتاب والسنة والإجماع، فإن وافقها قَبِلوه وإن خالفها ردوه أيا كان قائله وهذا هو المنهج الوسط والصراط المستقيم الذي لا يضل سالكه ولا يشقى من اتبعه، وسط بين من يتلاعب بالنصوص فيتأول الكتاب وينكر الأحاديث الصحيحة ولا يعبأ بإجماع السلف، وبَيْن من يَخْبط خَبْط عشواء فيتقبل كل رأي ويأخذ بكل قول لا يفرق في ذلك بين غث وسمين وصحيح وسقيم] [1] .
قلت: وكل من سلك غير مسلك السلف الصالح في فهم النصوص، لابد أن يحيد عن جادة الصواب، وقد أورد الشنقيطي رحمه الله أمثلة لهؤلاء ممن هداهم الله تعالى إلى منهج أهل السنة بعد أن حادوا عنه، منهم أبو الحسن الأشعري، والجويني والغزالي والفخر الرازي، فراجع كلامه في تفسيره أضواء البيان [2] خاصة الأصول التي نقلها عن الغزالي [3] .
وعلوم اللغة العربية وأصول الفقه هي من الوسائل المؤدية إلى فهم النصوص كما فهمها الصحابة ومن بعدهم، ولذلك فقد اعتبر الشاطبي هذه الوسائل ضرورية للمجتهد خاصة علوم اللغة [4] ، كما اعتبر الشاطبي الجهل باللغو من أسباب البدع والمحدثات [5] ، ومن يطلع على كتاب (الحَيْدة) ـ إن صحت نسبته ـ يجد مناظرة ممتعة بين عبد العزيز الكناني وبين بشر المريسي بحضرة المأمون، بين فيها عبد العزيز جَهْلَ بِشْر باللغة وبأصول الفقه (خاصة القواعد اللغوية) ذلك الجهل الذي جعله يقول ببدعة خلق القرآن. وقد أشار الشاطبي إلى هذه المناظرة [6] ، وأشار إليها ابن حجر [7] .
الأمر الثاني: أنه لا يجوز تقديم دليل على آخر أقوى منه، فضلا عن ما هو ليس بدليل، وهذا هو أساس الأقوال المرجوحة في المذاهب الفقهية، كما أنه أساس الخلط الموجود بساحة العمل الإسلامي المعاصر. فلا يعارض كتاب أو سنة بقول صحابي أو بفعله، فضلا عمن بعده من التابعين وأئمة المذاهب الفقهية، فبعض الناس يخالفون الكتاب والسنة إلى قول فلان من الفقهاء إذا وافق هذا القول هواهم أو هوى من يفتونه، وكذلك لا يعارض كتاب أو حديث صحيح بحديث ضعيف، ولا يعارض النص بالقياس أو بالقول بالمصلحة ونحوه.
وقد ذكر الشيخ الألباني أن من أصول الخلف التي تُرِكَت السنة بسببها: عدم الاحتجاج بخبر الآحاد في العقيدة (وهذا سنفصله بعد ذلك) وتقديم القياس على خبر الآحاد وتقديم عمل أهل المدينة على الحديث الصحيح وغيرها [8] . والمقصود هنا أن نضع الأدلة في مواضعها من حيث الاحتجاج ولا نقدم دليلا على آخر أقوى منه، ولا نقدم اجتهادا على نص حتى لا نقدم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
الأمر الثالث: إن هناك أمورًا يعتبرها بعض الناس حجة ويستدلون بها على التحليل والتحريم أو الحق والباطل، وهذه الأمور ليست ضمن الأدلة الشرعية المعتبرة وبالتالي فهي ليست بحجة في الفعل أو الترك، ومنها:
1 = الرؤيا لا تفيد تحليلًا ولا تحريمًا أو مخالفةَ ما ثبت بالشرع [9] .
2 = الكشف وخرق العادة (الكرامة) لا تفيد تحليلًا ولا تحريمًا أو مخالفةً للشرع، ولا تعطي لصاحبها هذا الحق مما يسبغه عليه الجهلة [10] ،
3 = حديث النفس وما يقع في القلب (الإلهام) لا يفيد تحليلًا ولا تحريمًا أو مخالفةً للشرع، وقال ابن حجر ـ في شرح حديث قصة موسى مع الخضر عليهما السلام ـ [ذهب قوم من الزنادقة إلى سلوك طريقة تستلزم هدم أحكام الشريعة فقالوا: إنه يستفاد من قصة موسى والخضر أن الأحكام الشرعية العامة تختص بالعامة والأغبياء، وأما الأولياء والخواص فلا حاجة بهم إلى تلك النصوص، بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم، ويحكم عليهم بما يغلب على خواطرهم ـ إلى أن قال ـ فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر، فإنه استغنى بما يَنْجلي له من تلك العلوم عما كان عند موسى، ويؤيده الحديث المشهور «استفت قلبك وإن أفتوك» قال القرطبي: وهذا القول زندقة وكفر، لأنه إنكار لما علم من الشرائع فإن الله قد أجرى سنته وأنفد كلمته بأن أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه المبيِّنين لشرائعه وأحكامه، كما قال تعالى: {يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنْ النَّاسِ} [11] ، وقال: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [12] ، وأمر بطاعتهم في كل ما جاءوا به، وحث على طاعتهم والتمسك بما
(1) - طبعة الرئاسة العامة للبحوث العلمية 1402هـ ص 179 ـ 181
(2) - 7/ 455 ـ 476
(3) - ص 474
(4) - الموافقات 4/ 108 وما بعدها
(5) - الاعتصام له ج 2 ص 293 وما بعدها
(6) - الاعتصام 1/ 241
(7) - فتح الباري 13/ 494
(8) - كتاب الحديث حجة بنفسه ص 39 ـ 40
(9) - انظر الاعتصام للشاطبي 1/ 260 والموافقات للشاطبي 1/ 82، 2/ 266 وما بعدها وتفسير القرطبي 16/ 306
(10) - انظر الاعتصام للشاطبي 1/ 212 والموافقات للشاطبي 2/ 266 وما بعدها
(11) - سورة الحج، الآية: 75
(12) - سورة الأنعام، الآية: 124