فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 403

تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} [1] .

7 = ومن ذلك: أعمال الناس خاصة العلماء، فكثير من العامة يحتجون على جواز الشيء بهذا، ويقولون لو كان حراما أو مكروها لامتنع منه العالم، فقد صار عمل العالم عند العامي حجة كما كان قوله حجة على الإطلاق [2] . ولذلك فقد قيل [ثلاث تهدم الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة ضالون] . وقد حذرنا الله تعالى من فساد العلماء في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَاكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [3] ] [4] . وقال ابن الحاج [5] : [وهذا هو الذي أذهب شريعة عيسى - عليه السلام: أعني التقليد لأحبارهم ورهبانهم دون دليل يدلهم على ذلك حتى صار أمرهم أنه في كل جمعة من الأحد إلى الأحد يجدد لهم القسيس شريعة جديدة بحسب ما يراه لهم من المصلحة في وقته على ما يقتضيه نظره وتسديده على زعمه، فتجدهم يخرجون من كنائسهم وهم يقولون لقد جدد اليوم شريعة مليحة، وقد عصم الله والحمد لله هذه الشريعة فالحذر من هذا الداء العضال] أ هـ.

وبالجملة فأقوال المشايخ والعلماء وأعمالهم ليست بحجة في مخالفة ما ثبت بالدليل الشرعي، ولا يجوز تقديمها بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإلا لأدى ذلك ـ والعياذ بالله ـ إلى تبديل هذه الشريعة كما بدل اليهود والنصارى بما شَرَعَه لهم الأحبار والرهبان، قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [6] . ومن أمثلة الاحتجاج بأفعال الناس أن بعض الملاحدة يستدلون على فساد هذا الدين بما وقع بين المسلمين من الفتن على طول تاريخهم، وأن بعض الفسقة يستدلون على إباحة الملاهي والموسيقى بما كان يقع من بعض المسلمين، أو الاستدلال بتخلف المسلمين على عدم صلاحية دينهم لهذا العصر. وكل هذا وما قبله لا يستدل به على حق أو باطل، أو في تحليل أو تحريم خاصة مع مخالفة الأدلة الشرعية، بل الشريعة بأدلتهما المعتبرة حاكمة على كل هذا بالصحة أو بالبطلان.

وخلاصة هذا الأصل الثالث (حرمة التقديم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم) هو أنه يجب على المسلم أن يُمَيِّز بين ما هو حجة شرعية (دليل معتبر) فيعمل به، وما ليس بحجة فلا يلتفت إليه. ولا ينخدع به ويُحَذِّر غيره منه، ثم عليه أن يعرف مراتب ما يحتج به حتى لا يقدم ما يجب تأخيره منها ولا يؤخر ما يجب تقديمه.

(1) سورة المائدة، الآية: 104

(2) الاعتصام للشاطبي 2/ 100

(3) سورة التوبة، الآية: 34

(4) مسائل الجاهلية لمحمد بن عبد الوهاب ـ المسألة الخامسة

(5) في المدخل ج 1 ص 94 ـ 95

(6) سورة التوبة، الآية: 31

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت