فهرس الكتاب
4 -الأصل الرابع: (الإنقياد التام الكامل) ، وهذا مترتب على الأصل الثالث وهو حرمة التقديم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم حتى يعلم المرء حكم الشريعة، فإذا علمه وجب عليه الانقياد له، انقيادا تاما (أي ظاهرا وباطنا) وكاملا (أي في كل الأمور ليس بعضها) .
فالانقياد التام معناه الانقياد ظاهرا لحكم الشريعة بمتابعتها، وباطنا بالإخلاص لله تعالى مع الرضى والتسليم القلبي لحكمه سبحانه. وهذا الإنقياد الباطن هو الذي يجعل صاحبه ينتفع بالانقياد الظاهر في الآخرة، وهو الفيصل بين المؤمن والمنافق فكلاهما منقاد ظاهرا تجرى عليه أحكام الإسلام في الدنيا، ويختلفان في الإنقياد الباطن فالمؤمن مصدق راض، والمنافق مكذب ساخط، فهو وإن كان مسلما معصوما في الدنيا {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} ، إلا أنه في الآخرة كما قال الله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ} [1] .
ودليل وجوب الانقياد التام هو قول الله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [2] ، فعلق سبحانه الحكم بالإيمان على الرضى والتسليم القلبي مع الإنقياد الظاهر.
أما الإنقياد الكامل فمعناه متابعة الشريعة في كل أمر، ليس بعض الأمر، فالشريعة مكتملة لها حكم في كل أمر، ودليله قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا} [3] ، وقوله تعالى: {أَمْرًا} نكرة في سياق النفي، {وَمَا كَانَ} فهي صيغة عموم، وكذلك في آية النساء السابقة {مَا شَجَرَ} نكرة في سياق النفي {لا وَرَبِّكَ ـ لا يُؤْمِنُونَ} فهي أيضا صيغة عموم، أي أن الطاعة واجبة في كل ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وهذا هو الإنقياد الكامل، والتقصير فيه ينشأ عنه البدع والضلالات والمعاصي بأنواعها.
والتقصير فيه ينشأ عن أسباب كثيرة منها.
1 = تأويل النصوص: والتأويل المقصود هو الفاسد وهو مراتب أشدها التفسيرات الباطنية للنصوص. والتأويلات بحر لا ساحل له به تبدل الشريعة وتستحل المحرمات، وقد أورد الشاطبي أمثلة كثيرة لذلك فراجعها في كتابه (الاعتصام) . والتأويل هو في حقيقته خروج ضمني عن أحكام الشريعة وإخلال بقاعدة الإنقياد، ولكن فاعله لا يجرأ على مخالفة الشريعة صراحة فيلجأ إلى المخالفة الضمنية وهي التأويل، فيظهر للناس أنه يأخذ بالنصوص وهو يخالفها حقيقة.
2 = الأخذ ببعض النصوص دون البعض الآخر، وهذا يخالف الانقياد الكامل، وله صور منها:
(1) - سورة النساء، الآية: 145
(2) - سورة النساء، الآية: 65
(3) - سورة الأحزاب، الآية: 36