فهرس الكتاب
في كتاب الله ورسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه ولم يكن كافيا لم يأمر بالرد إليه إذ من الممتنع أن يأمر تعالى بالرد عند التنازع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع] [1] .
قلت: ونستنتج من هذا الأصل:
أ = أن الشريعة حاكمة لا محكوم عليها، وهذه قُوَّتُها وحُجِّيَتها [2] ، ومعنى هذا أن الشريعة حاكمة على أقوال الناس وأفعالهم بالصحة أو بالبطلان، وأنها حاكمة بينهم عند تنازعهم واختلافهم تحق الحق وتبطل الباطل، ويدخل في هذا كل اختلاف نشأ بين المسلمين من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى من بعدهم [3] .
ومتعصبة المذاهب جعلوا النصوص محكوما عليها بأقوال أئمتهم، قال ابن القيم: [وأما المتعصبون فإنهم عكسوا القضية، ونظروا في السنة فما وافق أقوالهم منها قبلوه، وما خالفها تَحَيَّلوا في رده أو رد دلالته] [4] . ومن هذا قول أبي الحسن الكرخي من أئمة الأحناف (ت340 هـ) قال: [كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ] [5] .
ومن الصور القبيحة لتحكم الناس في الشريعة الإلهية - في زماننا هذا -استفتاء الشعب مباشرة أو عن طريق نوابه (بالبرلمان) حول تطبيق الشريعة الإسلامية وذلك باسم الديمقراطية، وهذا معناه أن تطبيق شريعة الخالق رهن بإرادة المخلوقين، وأنهم مخيرون في السماح بتطبيقها أو عدمه، وهذا كفر أكبر صريح قال شارح العقيدة الطحاويه في حال الحاكم بغي ما أنزل الله: [فانه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب وأنه مخير فيه أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله، فهذا كفر أكبر] [6] .
ب =أنه لا أحد معصوم من هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إذ أمر الله بالرد عند التنازع إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يأمر بالرد إلى رأي فلان أو قول فلان، فيعلم بذلك أنه لا عصمة في قول أحد بعد قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم. وفي هذا إبطال لمسألة عصمة الأئمة عند الشيعة، وفي هذا أيضا إنكار ونقض للتعصب المذهبي عند مقلدة المذاهب وقد قال أئمة هذه المذاهب: [كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم] وهذا مروي عن أبي حنيفة ومالك وأحمد والشافعي وغيرهم وإن اختلفت عباراتهم. وقد قال الله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [7] ، قلت والرد إلى الكتاب والسنة كثيرا ما يكون بالرجوع إلى العلماء العاملين بالكتاب والسنة.
(1) - إعلام الموقعين 1/ 49
(2) - انظر الموافقات للشاطبي ج 1 ص 78 و79، ج 2 ص 275
(3) - (انظر معارج القبول لحافظ حكمى 2/ 623) و (أضواء البيان للشنقيطي ج 7 ص 547)
(4) - (إعلام الموقعين 1/ 76)
(5) - (كتاب الحديث حجة بنفسه ص 88 نقلا عن الدر المختار 1/ ه 4)
(6) - شرح العقيدة الطحاوية ط 1404هـ ص 323
(7) - سورة النساء، الآية: 82