فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 403

لقوله تعالي: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [1] ، وقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوْ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [2] . وبمناسبة سؤال العلماء والرجوع إليهم فإني أحذر الإخوة المسلمين من صنفين من المنتسبين إلى العلم الشرعي:

الصنف الأول: العلماء الذين انكبوا على الكتب وانقطعت صلتهم بواقع الناس، قال ابن القيم رحمه الله: [ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما، والنوع الثاني فهم الواجب في الواقع وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر] [3] . وقال رحمه الله: [ذكر أبو عبد الله بن بطة في كتابه في الخلع عن الإمام أحمد أنه قال: [لا ينبغي للرجل إن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون قيه خمس خصال، أولها: أن تكون له نية، فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته. الرابعة: الكفاية وإلا مضغه الناس. الخامسة: معرفة الناس [- ثم قال ابن القيم - وأما قوله الخامسة معرفة الناس فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المفتي والحاكم فإن لم يكن فقيها فيه، فقيها في الأمر والنهى ثم يطبق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يفسد أكثر مما يصلح، فإنه إذا لم يكن فقيها في الأمر، له معرفة بالناس تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه، والمحق بصورة المبطل وعكسه، ورَاجَ عليه المكرُ والخداع والاحتيال، وتصور له الزنديق في صور الصديق، والكاذب في صورة الصادق، ولبس كل مبطل ثوب زور تحتها الإثم والكذب والفجور، وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يميز هذا من هذا، بل ينبغي له أن يكون فقيها في معرفة مكر الناس وخداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعرفياتهم، فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله كما تقدم بيانه، وبالله التوفيق] [4] .

الصنف الثاني: الذين اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا من مال أو منصب ونحوه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» [5] . وقول ابن تيمية فيه، وقال ابن القيم رحمه الله: [كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها، فلابد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه، في خبره وإلزامه، لأن أحكام الرب سبحانه كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس ولاسيما أهل الرياسة والذين يتبعون الشبهات فإنهم لا تتم لهم أغراض إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيرا فإذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لهما ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق] [6] . وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله:

(1) - سورة النحل، الآية:43 وسورة الأنبياء، الآية:7

(2) - سورة النساء، الآية: 83

(3) - (إعلام الموقعين 1/ 87 - 88)

(4) - (إعلام الموقعين 4/ 199 ثم 204ـ205)

(5) - رواه أحمد عن كعب بن مالك، وقد سبق شرحه.

(6) - (الفوائد لابن القيم ص 100)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت