فهرس الكتاب
بأتي من داخلها من المنتسبين إلى هذا الدين، وهذا يدفع بالجرح والتعديل ويدفع بالقيام على أهل البدع على تفصيل وكل هذا واجب. قال الله تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [1] .
(خلاصة) ما سبق، هو أن أصول الاعتصام بالكتاب والسنة (وهو منهج أهل السنة والجماعة) ثمانية، وهي مترتبة بعضها على بعض، وهي من استنباطي والله أعلم بالصواب وهي:
الأول: عموم الرسالة، وبقاء الشريعة إلى يوم القيامة، قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ} [2] .
الثاني: اكتمال الشريعة واستغناؤها عما عداها، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [3] .
الثالث: لا يحل لمسلم أن يُقْدِم على أمر قبل معرفة حكم الشريعة فيه، قال تعالى: {لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [4] ، فلا يجوز تقديم العقل، على النقل (أي النصوص الشرعية) ، ولا يجوز تقديم دليل شرعي على آخر أقوي منه، ولا يلتفت إلى ما ليس بدليل شرعي مما أشرت إليه من قبل.
الرابع: أنه إذا عَلِمَ حكم الشريعة فليس له إلا الإنقياد التام الكامل، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [5] ، مع قوله تعالى: {ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [6] .
الخامس: وجوب رد المتنازع فيه إلى الكتاب والسنة، قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [7] ، وأن الشريعة حاكمة على أقوال الناس وأفعالهم بالصحة أو بالبطلان.
السادس: رد وإبطال كل ما خالف الشريعة من قول أو فعل أو حكم، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» [8] .
السابع: سد ذرائع الإحداث في الدين، لقوله صلى الله عليه وسلم: «وإياكم ومحدثات الأمور» .
الثامن: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، خاصة ما يتعلق بالاعتصام بالكتاب والسنة. وهو الجرح والتعديل، والقيام على أهل البدع، والجهاد في سبيل الله تعالى.
ويتفرع من هذه الأصول الثمانية مسائل مترتبة عليها، منها ما يتعلق بالعقائد أو بالأحكام أو بهما. فمما يتعلق بالعقائد: وجوب اتباع عقيدة أهل السنة والجماعة وتجدها في كتب مثل، (السنة) لابن أبي عاصم، و (شرح اعتقاد أهل السنة) لللالكائي، و (شرح العقيدة الطحاوية) و (العقيدة الواسطية) لابن تيمية وشروحها، و (معارج القبول) لحافظ حكمي)، و (فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) لعبد الرحمن بن حسن. وتوجد مؤلفات لبعض الكتاب المعاصرين يذكرون مذاهب الأشاعرة وغيرهم ويسمونها مذهب أهل السنة، فلا يفوتني هنا أن أحذر المسلمين من هذا وعليهم بمطالعة العقيدة من كتب السلف (كالتي أشرت إليها) قبل مطالعة كتب المعاصرين حتى يعرفوا وجه الحق، والدين النصيحة.
ومما يتعلق بالأحكام: مسألة جواز التقليد وعدم وجوبه، ومسألة الاجتهاد، وستأتيان.
ومما يتعلق بهما: وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقائد والأحكام، وستأتي.
(مسألة) حديث الآحاد حجة في العقائد والأحكام.
هذا أحد المعالم الهامة في منهج أهل السنة والجماعة، وركن من أركان الاعتصام بالكتاب والسنة.
يقول شارح العقيدة الطحاوية:[وخبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، عملا به وتصديقا له: يفيد العلم (اليقيني) عند جماهير الأمة، وهو أحد قسمي المتواتر. ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع، كخبر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - «إنما الأعمال بالنيات» ، وخبر ابن عمر رضي الله عنهما: «نهى عن بيع الولاء وهبته» ، وخبر أبي هريرة: «لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها» ، وكقوله: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» ، وأمثال ذلك. وهو نظير خبر الذي أتى مسجد قباء وأخبر أن القبلة تحولت إلى الكعبة، فاستداروا إليها.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل رسله آحادا، ويرسل كتبه مع الآحاد، ولم يكن المرسل إليهم يقولون لا نقبله لأنه خبر واحد! وقد قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [9] . فلا بد أن يحفظ الله حججه وبيناته على خلقه، لئلا تبطل حججه وبيناته] [10] . ويقول الشيخ الألباني: [حديث الآحاد حجة في العقائد والأحكام: إن القائلين بأن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة، يقولون في الوقت نفسه بأن الأحكام الشرعية تثبت بحديث الآحاد وهم بهذا قد فرقوا بين العقائد والأحكام، فهل تجد هذا التفريق في النصوص المتقدمة من الكتاب والسنة؟ كلا وألف كلا، بل هي بعمومها وإطلاقاتها تشمل العقائد أيضا، وتوجب اتباعه صلى الله عليه وسلم فيها، لأنها بلا شك مما يشمله قوله: {أمرا} في آية: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ
(1) - سورة البقرة، الآية: 251
(2) - سورة آل عمران، الآية: 85
(3) - سورة المائدة، الآية: 3
(4) - سورة الحجرات، الآية: 1
(5) - سورة الأحزاب، الآية: 36
(6) - سورة النساء، الآية: 65
(7) - سورة النساء، الآية: 59
(8) - رواه مسلم عن عائشة
(9) - سورة التوبة، الآية: 33
(10) - ط المكتب الإسلامي 1403هـ ص 399 ـ 400