فهرس الكتاب
على أنني أرى أن إطلاق الكلام في العامي، وأنه لابد له من التقليد لا يخلو من شيء لأنك، إذا تذكرت أن التقليد هو العمل بقول الغير من غير حجة، فمن السهل في كثير من الأحيان على بعض أذكياء العامة أن يعرف الحجة لوضوحها في النص الذي بلغه، فمن الذي يزعم أن مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين» لا تبين الحجة فيه لهم، بل ولمن دونهم في الذكاء؟ ولذلك فالحق أن يقالا: إن من عجز عن معرفة الدليل فهو الذي يجب عليه التقليد. ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها] أ هـ [1] .
ج = فإذا جاز التقليد للعامي، فإنه لا يجب عليه أن يقلد مذهبا بعينه في كل أمر فإن الحق ليس محصورا في مذهب واحد، قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [2] ، فعلم من هذه الآية أنه لا عصمة في قول أحد بعد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، بل كل أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم يؤخذ من قوله ويرد. وقال ابن القيم رحمه الله: [وهل يلزم العامي أن يتمذهب ببعض المذاهب المعروفة أم لا؟ فيه مذهبان، أحدهما: لا يلزمه، وهو الصواب المقطوع به، إذا لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة مبرأة مُبَرَّأ أهلها من هذه النسبة، بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به، فالعامي لا مذهب له، لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال، ويكون بصيرا بالمذاهب ـ إلى أن قال ـ ولا يلزم أحدا قط أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره. وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمة، لم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى رتبة وأجل قدرا وأعلم بالله ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك] أهـ [3] .
وقال ابن القيم أيضا: [وعلى هذا فله ـ أ ي العامي ـ أن يستفتي من شاء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم، ولا يجب عليه ولا على المفتي أن يتقيد بأحد من الأئمة الأربعة بإجماع الأمة. كما لا يجب على العالم أن يتقيد بحديث أهل بلده أو غيره من البلاد، بل إذا صح الحديث وجب عليه العمل به] [4] .
د = وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ومن أوجب تقليد إمام بعينه استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وإن قال: ينبغي، كان جاهلا ضالا] [5] .
قلت: وتوجيه هذا القول أنه لا يتبع في كل أمر إلا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فمن أسبغ هذه المنزلة لأحد من الناس مهما بلغ قدره فقد ساواه بالله أو برسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا كفر. قال تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [6] .
(1) - نقلا عن كتاب (الحديث حجة بنفسه للألباني ص 85، 86)
(2) - سورة النساء، الآية: 59
(3) - (إعلام الموقعين) 4/ 262.
(4) - (إعلام الموقعين) 4/ 263
(5) - (الاختيارات الفقهية) ص 333.
(6) - سورة الأنعام، الآية: 1