فهرس الكتاب
في تفسير قوله تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [1] ، من سورة محمد صلى الله عليه وسلم بتفسيره أضواء البيان (ج 7 ص 428 وما بعدها) .
والمقصد هنا التحذير من التعصب لمذهب أو لرجل حي أو ميت فلا ينبغي للمسلم أن يستمسك أبدا إلا بالكتاب والسنة أي بالدليل الشرعي، أما التعصب للمذاهب وللرجال بحق وبباطل فهو من خصال الجاهلية المذمومة، كما قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} [2] .
وللشيخ محمد الحامد رسالة بعنوان (لزوم اتباع مذاهب الأئمة حسما للفوضى الدينية) أوجب فيها تقليد مجتهد بخصوصه [3] . واستدل بقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [4] ، والآية ليس فيها وجوب تقليد عالم بعينه أو مذهب بعينه كما أسلفنا، ولم يستدل على إيجابه للتقليد بغير هذه الآية في كل رسالته، فلا دليل له. كما قال ابن القيم: إنه لا يوجد نص كتاب أو سنة يوجب تقليد مذهب بعينه. والرسالة المذكورة [5] . وبهذا تعلم أنه لا يوجد دليل يوجب تقليد مذهب بعينه.
(مسألة) ونرى أن الاجتهاد ماض لا ينقطع ولن تخلو الأرض من قائم لله بحجة
لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» [6] ، وروى مسلم عن ثوبان مرفوعا: ««لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» .
والطائفة تطلق على الواحد فما فوقه، فالحديث نص في أن الأرض لا تخلو من قائل بالحق، قائم بالحجة، وهذه رحمة من الله تعالى بخلقه، وحجة على المعاندين الزائغين. وقال ابن القيم رحمه الله: [أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» ، وقال على بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه: (لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة لكي لا تبطل حجج الله وبَيِّنَاته) ] [7] .
ومن المعلوم أن النصوص متناهية، وأن الأحداث تتجدد، منها ما بحثه السلف في الوقائع المُفْتَرضة ومنها ما لم يبحثوه، فلابد من وجود المجتهد الذي يستنبط أحكام هذه الأحداث المتجددة، وإلا تخبط الناس في الجهل وانقطعت حجة الله على خلقه.
(1) - سورة محمد، الآية: 24
(2) - سورة البقرة، الآية: 170
(3) - ص: 42
(4) - سورة النحل، الآية: 43 وسورة الأنبياء، الآية: 7
(5) - طبع مكتبة المنار بالأردن الطبعة الثانية
(6) - متفق عليه عن معاوية
(7) - إعلام الموقعين ج 4 ص 150