فهرس الكتاب
وقال صاحب كتاب فتح المجيد ـ في شرح حديث الطائفة المنصورة ـ [واحتج به الإمام أحمد على أن الإجتهاد لا ينقطع مادامت هذه الطائفة موجودة] [1] ، قلت: وهذا هو قول أكثر الحنابلة وآخرين خلافا للجمهور الذين جَوَّزوا خلو الزمان عن مجتهد، وحجة الجمهور حديث عبد الله بن عمرو في قبض العلم، مرفوعا «إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه انتزاعا، ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناس جهال يُسْتَفْتَون فيُفْتون برأيهم فيَضِلُّون ويُضِلُّون» [2] .
قلت: وحجة الحنابلة أقوى فهي مُثْبِتة والجمع بين الحديثين ـ فيما أرى والله أعلم بالصواب ـ أن العلماء الصالحين يَقِلون في كل جيل وكل طبقة عن ذي قبل، ويكثر الجهال المنتحلون للعلم، ومع ذلك فلابد من وجود العلماء الأثبات في كل جيل وإن كان بقِلَّة عما قبله. وهذا الجمع بين الحديثين يؤيده حديث أنس مرفوعا «من أشراط الساعة أن يقل العلم ويظهر الجهل» [3] ، وروى عنه أيضا مرفوعا «لَا يَاتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ» ، وقد ورد في شرح هذا الحديث ما يبين المراد بالشر، فقال ابن حجر: [وقد استُشْكِل هذا الإطلاق مع بعض الأزمنة تكون في الشر دون التي قبلها ولو لم يكن في ذلك إلا زمن عمر بن عبد العزيز وهو بعد زمن الحجاج بيسير ـ إلى أن قال ـ ثم وَجَدت عن عبد الله بن مسعود التصريح بالمراد وهو أولى بالإتباع ـ إلى أن قال ـ ومن طريق الشعبي عن مسروق عنه قال «لا يَاتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلا وَهُوَ أَرٌّ مِمَّا كَانَ قَبْلَهُ أَمَا إِنِّي لا أَعْنِي أَمِيرًا خَيْرًا مِنْ أَمِيرٍ وَلا عَامًا أَخْصَبَ مِنْ عَامٍ، وَلَكِنْ عُلَمَاؤُكُمْ وَفُقَهَاؤُكُمْ يَذْهَبُونَ ثُمَّ لا تَجِدُونَ مِنْهُمْ خَلَفًا وَيَجِيءُ قَوْمٌ يُفْتُونَ بِرَايِهِمْ» وفي لفظ عنه من هذا الوجه «وما ذاك بكثرة الأمصار وقلتها ولكن بذهاب العلماء، ثم يحدث قوم يُفتون في الأمور برأيهم فَيَثْلمون الإسلام ويهدمونه» [4] .
قلت: أَمَّا قبض العلماء بإطلاق فلا يكون إلا مع هبوب الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين من الأرض، وذلك بعد نزول عيسى - عليه السلام - وموته، فيبقى شِرار الخلق عليهم تقوم الساعة، وهبوب الريح هو أمد هذه الطائفة المنصورة، وهكذا كما رواه مسلم في المحاورة التي دارت بين عبد الله بن عمرو وعقبة بن عامر رضي الله عنهم [5] .
وانظر كذلك الجمع بين الحديثين في كتاب (الروض الباسم) لمحمد بن إبراهيم الوزير اليماني [6] .
وهناك فائدة أخرى في الجمع بين حديثي الطائفة المنصورة وقبض العلم÷، وهو وجوب قيام العلماء الأثبات المشار إليهم في حديث الطائفة المنصورة بكشف ضلالات المضلين المذكورين في حديث قبض العلم الذين يُضِلُّون الناس
(1) - ط أنصار السنة ص 277
(2) - رواه البخاري (انظر فتح الباري ج 13 ص 286
(3) - رواه البخاري
(4) - (فتح الباري ج 13 / ص 21)
(5) - صحيح مسلم بشرح النووي ج 13 ص 67 ـ 68
(6) - ط دار المعرفة 1399هـ ج 1 ص 38