فهرس الكتاب
بأهوائهم وآرائهم، وهكذا يستفاد أيضا من قول النبي صلى الله عليه وسلم «يحمل هذا العلم من كل خَلَفٍ عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين» وقد سبق الكلام فيه.
وذهب الشيخ محمد الحامد في رسالته المشار إليها آنفا إلى منع الاجتهاد فقال: [والذي علينا علمه والعمل به، وهو ما قرره فقهاؤنا رحمهم الله تعالى من أن الاجتهاد المطلق في الأحكام ممنوع بعد أن مَضَت أربعمائة سنة من هجرة سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم ص 9] ، وهو هنا ما يشير إليه ما ذكره ابن عابدين في حاشيته 1/ 55، ولا يخفى أن هذا القول خاصة تحديد هذا التاريخ لا يدل عليه كتاب أو سنة أو إجماع، بل هو معترض بحديث الطائفة المنصورة وحديث المجدد. وقال الشيخ الحامد أيضا: [ولا يَدَّعِي الاجتهاد المطلق في زماننا إلا ناقص العقل، قليل العلم، رقيق الدين ص11، 12] ، ثم قال بعد ذلك: [على أنه لا مانع من الاجتهاد للتعرف إلى أحكام جزئيه فرضية طارئة، ولكن لا يتقنه إلا أفراد معدودون الآن تتمخض عنهم بلاد الإسلام وأقطاره، وليس هو لكل من يرى نفسه عالما أو يزعمه البسطاء من الناس عالما ص 12] [1] .
قلت: وكما ترى فإن الشيخ الحامد لم يستطع أن ينكر مبدأ الاجتهاد بإطلاق، فهذا لا يجوز لا شرعا لوجود النصوص المثبتة لذلك كما سبق، ولا عقلا لتجدد الحوادث ـ خاصة مع تطور المخترعات الحديثة ـ التي تستلزم وجود مجتهد يفتي الناس في النوازل، أضف إلى ذلك حسم الخلاف الفقهي في كثير من المسائل، ونحو ذلك.
خاتمة
أختم هذا الموضوع وهو (وجوب الإعتصام بالكتاب والسنة) بقولي إن الغرض من إدراجي له في هذه الرسالة، هو ألا ينخدع المسلمون بكل من رفع راية الجهاد وإن سماها إسلامية حتى ينظروا في عقيدته ومنهجه ومطابقة ذلك لمنهج أهل السنة والجماعة الذي ذكرت أصوله فيما سبق، فما خالف الدليل فهو رد. فإذا صح المنهج ينظر بعد ذلك في عملِهِ هل يوافق قوله أم لا، وهي قاعدة (الإنقياد التام) وقد سبق ذكرها، فإن وافق العملُ القولَ فصاحبه نحسبه صادقا إن شاء الله تعالى، وإن خالفه فهو كاذب متلاعب بدين الله يخادع الناس بقوله الحسن ويكذب فعلُه قولَه، وهو من أهل مقت الله وغضبه الذين يقولون مالا يفعلون، قال تعالى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [2] ، وروى اللالكائي بسنده عن الإمام مالك بن أنس قال: [مهما تلاعبت به من شيء فلا تلاعَبَنَّ بأمر دينك] [3] .
وما ذكره في هذه الخاتمة يقال أيضا في الموضوع التالي (معالم أساسية في الجهاد) أعني صحة المنهج وموافقة العمل له.
وأعود فأكرر وأقول إن اتباع منهج أهل السنة والجماعة وهو الاعتصام بالكتاب والسنة هو وحده الذي يحفظ هذا الدين على أصوله المستقرة التي كانت عليها جماعة الحق الأولى والقرون المُفَضَّلة. وتتضح أهمية ذلك إذا علمنا أن كثيرا
(1) - رسالة لزوم اتباع مذاهب الأئمة ط 2 مكتبة المنار بالأردن
(2) - سورة البقرة، الآية: 9
(3) - (شرح اعتقاد أهل السنة ط دار طيبة 1/ 145)