فهرس الكتاب
سادسا (ملحق 2) : معالم أساسية في الجهاد
إذا كان الإعتصام بالكتاب والسنة يحفظ هذا الدين على أصوله المستقرة ويحميه من عبث المنتسبين إليه، فإن الجهاد يدفع عن هذا الدين وأهله بأس المحاربين له والخارجين عليه، وقد جمعتها آية الحديد، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [1] . قال ابن تيمية رحمه الله: [ولن يقوم الدين إلا بالكتاب والميزان والحديد، كتاب يهدي به وحديد ينصره] [2] . وكرر رحمه الله هذا الكلام في عدة مواضع أشرت إليها من قبل.
وسأذكر هنا إن شاء الله تعالى مَعَالِمًا تتناول دوافع الجهاد وغايته وأهميته في قيام هذا الدين. وبعض هذه المعالم ـ خاصة الخمسة الأول ـ هي في حقيقتها جزء من عقيدة المسلمين تتعلق بقضاء الله تعالى وقدره، وهي معالم لابد أن يُلِمَّ المسلم بها ليدرك أساس صراعه مع الكافرين، والغاية من جهاده وقتاله. ويمكننا أن نسمي هذه المعالم بالعقيدة الجهادية للمسلمين.
فأي جيش ولو كان كافرا لابد له من عقيدة قتالية على أساسها يقاتل الآخرين، ومن هنا كان جهاز التوجيه المعنوي أحد الأجهزة الرئيسية في كل الجيوش وإن اختلف اسمه. ومهمة هذا الجهاز هي غرس هذه العقيدة في نفوس الجنود، حتى إن الجيوش الملحدة والعلمانية تخترع لنفسها اعتقادا دافعا من وساوس الشياطين {أَلَمْ تَرَى أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [3] ، كاستعلاء جنسيتهم على بقية الأجناس، وكنشر مبادئهم وحضارتهم في الناس، أو الدفاع عن الأرض والقومية ونحو ذلك مما يدفعون به جنودهم إلى القتال.
وهذه الاعتقادات لأي جيش مؤمنا كان أو كافرا تصب في هدف واحد، وهو أن يؤمن الجندي المقاتل أنه على الحق وأن عدوه على الباطل فيجب أن يقاتله. انظر إلى ما قاله عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للنبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، قال عمر: (ألسنا على الحق وعدونا على الباطل قال صلى الله عليه وسلم: بلى) [4] . وانظر كذلك إلى اعتقاد الكافرين بأنهم على الحق في قوله تعالى: {قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى} [5] .
أما عن اعتقادنا في الجهاد كمسلمين فهو يتلخص فيما يلي: إن الله جل شأنه خلق الخلق، وأمرهم جميعا بعبادته أمرا شرعيا على ألسنة رسله، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، وهكذا شاء سبحانه قدرا أن ينقسم خلقه إلى مؤمن وكافر، ثم سَلَّط الله سبحانه الفريقين بعضهم على بعض، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [6] ، فسَلَّط سبحانه الكافرين على المؤمنين بالأمر القدري يفتنونهم ويقاتلونهم، وسلط سبحانه المؤمنين على الكافرين بالأمر الشرعي يدعونهم إلى الهدى فمن أبى قوتل على هذا لتكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله، وحتى لا يُعبد في الأرض إلا الله وحده لا شريك له، فصراع المؤمن ضد الكافر إنما هو لتحقيق (لا اله إلا الله) . كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله» [7] . وقال صلى الله عليه وسلم: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له» [8] . فالجهاد وسيلة لتحقيق التوحيد. وهكذا أراد المولى سبحانه أن تكون هذه الدنيا دار ابتلاء يختبر فيها خلقه ليجازيهم بأعمالهم يوم القيامة، قال تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [9] ، وقال تعالى: {وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} [10] ، وهؤلاء وأولئك كلهم خلقه وعبيده طوعا وكرها، نواصيهم بيده، عدل فيهم قضاؤه، ونحن بقضائه وقدره مؤمنون، وبحكمته موقنون، ولأمره الشرعي مطيعون، سبحانه وتعالى لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
ونشرح ما سبق بشيء من التفصيل في عدة فقرات، كما يلي:
(فقرة 1)
قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِي} [11] ، والعبادة هي امتثال ما شرعه الله تعالى على ألسنة رسله عليهم السلام. وما من أمة من خلق الله إلا وأَرْسَلَ إليها رسولا، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [12] ، وقال تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ} [13] ، هذا لتقوم حجة الله تعالى
(1) - الحديد، الآية: 25
(2) - (مجموع الفتاوي 35/ 36)
(3) - سورة مريم، الآية: 83
(4) - رواه البخاري 2731، 2732
(5) - سورة طه، الآية: 63
(6) - سورة الفرقان، الآية: 20
(7) - متفق عليه
(8) - رواه أحمد عن ابن عمر
(9) - سورة محمد، الآية: 4
(10) - سورة الشورى، الآيتان: 7 ـ 8
(11) - سورة الذاريات، الآية: 56
(12) - سورة النحل، الآية: 36
(13) - سورة فاطر، الآية: 24