فهرس الكتاب
على خلقه منذ خَلْق آدم إلى يوم القيامة، قال تعالى: {رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [1] .
والرسول يبعث في أصل أمته الذين يعاصرونه ثم يُبَلِّغ أتباعه من أهل العلم رسالته من بعده، قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} [2] ، ثم بعد موته يحمل أتباعه أمانة البلاغ حتى لا تنقطع حجة الله تعالى على خلقه، كما كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني ولو آية» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «العلماء ورثة الأنبياء» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله» . وهذه الأحاديث كلها صحيحة.
والأمر بالعباد أمر شرعي (أ ي شرعه الله على ألسنة رسله) ويسمى الإرادة الشرعية الدينية، ولا يلزم أن يستجيب له كل الخلق، فالله سبحانه خلق الخلق لعبادته وأمرهم بذلك على ألسنة الرسل، ثم الخلق قد يعبدونه وقد لا يعبدونه.
(فقرة 2)
قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [3] .
أي خلقهم سبحانه للاختلاف في أديانهم واعتقاداتهم وآرائهم، وهذا هو المشهور الصحيح من التفسير، كما قال ابن كثير (2/ 465) .
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [4] ، فشاء الله جل وعلا أن ينقسم خلقه إلى مؤمن به وكافر، مشيئة كونية قدرية لا تتخلف قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [5] ، وقال تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [6] .
فانقسم الخلق إلى مؤمن وكافر كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} [7] ، وذلك بعد ما كانوا جميعا مؤمنين منذ خَلق آدم - عليه السلام - إلى أن وقع الشرك في بنى آدم، كما قال تعالى: وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً
(1) - سورة النساء، الآية: 165
(2) - سورة القصص، الآية: 59
(3) - سورة هود، الآيتان: 118 ـ 119
(4) - سورة يونس، الآيات: 96 ـ 99
(5) - سورة يس، الآية: 82
(6) - سورة الأحزاب، الآية: 38
(7) - سورة التغابن، الآية: 2