فهرس الكتاب

الصفحة 299 من 403

وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا [1] ، قال ابن كثير: [قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام ثم وقع الاختلاف بين الناس وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان، فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} أ هـ] قلت: فلما وقع الكفر في بني آدم أرسل الله الرسل كما قال تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [2] ، ورغم أن الله تعالى أرسل رسله بالبينات والحجج الواضحات وقع الاختلاف القدري وانقسم الناس إلى مؤمن وكافر، ووقع القتال بين الفريقين، كما قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [3] .

وما من رسول إلا وكفر به فريق من قومه، بل قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعض الأنبياء يوم القيامة «ويأتي النبي ليس معه أحد» [4] . ويَقُصُّ الله تعالى علينا أمثلة لهذا، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} [5] ، فلما دعاهم إلى عبادة الله وحده انقسموا إلى فريقين، ووقعت الخصومة بينهم، وهكذا إلى أن ختم الله تعالى الرسل بمحمد صلى الله عليه وسلم فانقسم الناس إلى مؤمن وكافر كما ورد في الحديث: «ومحمد فرق بين الناس» [6] . وهذا باق إلى يوم القيامة.

ورغم أن الله تعالى قد شاء قدرا أن ينقسم الخلق إلى مؤمن وكافر، وأن هذا لابد أن يقع، إلا أننا نؤمن بأن الخلق محاسبون بأعمالهم التي عملوها بأنفسهم، قال تعالى: {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [7] ، ونؤمن أيضا بأن الله لا يظلم أحدا شيئا، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [8] ، وفي الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا» [9] .

(فقرة 3) وبانقسام الخلق إلى مؤمن وكافر انعقدت العداوة بينهما.

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ} [10] .

وقال تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ} [11] .

وقال تعالى: {إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} [12] .

وبهذه العداوة يبتلي الله تعالى الفريقين، كما قال تعالى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ} [13] ، وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [14] ، والآيات في سنة الابتلاء كثيرة أشرنا إلى بعضها من قبل. وقد ورد النص صريحا بهذه السنة، سنة الإبتلاء، في قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك» [15] ، قال النووي في شرحه: [قوله سبحانه وتعالى: «إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك» معناه لأمتحنك بما يظهر منك من قيامك بما أمرتك به من تبليغ الرسالة وغير ذلك من الجهاد في الله حق جهاده والصبر في الله تعالى وغير ذلك. وأبتلي بك من أرسلتك إليهم فمنهم من يظهر إيمانه ويخلص إيمانه ويخلص في طاعاته، ومن يتخلف ويتأبد بالعداوة والكفر، ومن ينافق. والمراد أن من يمتحنه ليصير ذلك واقعا بارزا فإن الله تعالى إنما يعاقب العباد على ما وقع منهم لا على ما يعلمه قبل وقوعه، وإلا فهو سبحانه عالم بجميع الأشياء قبل وقوعها وهذا نحو قوله: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} [16] ، أي نعلمهم فاعلين ذلك متصفين به] [17] .

(فقرة 4) والله جل شأنه يسلط الكفار على المؤمنين تسليطا قدريا

تسليطا قدريا أي ليس شرعيا فهو لم يأمرهم على ألسنة الرسل بمُعاداة المؤمنين وقتالهم بل أمرهم بالعبادة والطاعة. فتسليطهم على المؤمنين بالقدر، وتسليط المؤمنين عليهم بالشرع الموافِق للقدر.

(1) - سورة يونس، الآية: 19

(2) - سورة البقرة، الآية: 213

(3) - سورة البقرة، الآية: 253

(4) - متفق عليه عن ابن عباس

(5) - سورة النمل، الآية: 45

(6) - رواه البخاري عن جابر

(7) - سورة الصافات، الآية: 39

(8) - سورة يونس، الآية: 44

(9) - رواه مسلم عن أبي ذر - رضي الله عنه -.

(10) - سورة النمل، الآية: 45

(11) - سورة الحج، الآية: 19

(12) - سورة النساء، الآية: 101

(13) - سورة محمد، الآية: 4

(14) - سورة محمد، الآية: 31

(15) - رواه مسلم عن عِياض بن حِمار

(16) - سورة محمد، الآية: 31

(17) - (صحيح مسلم بشرح النووي 17/ 198) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت