فهرس الكتاب
أما التبرؤ منهم بعد مماتهم فيكون بعدم الإستغفار لهم كما قال تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [1] ، ويكون التبرؤ بعدم دفنهم مع المسلمين، ويكون بمنع إرثهم وتوريثهم كما قال صلى الله عليه وسلم: «لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم» [2] . قال الله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [3] ، وقال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [4] . فلم تمنع القرابة من البراءة {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ} ، ويقول الشيخ حمد بن عتيق: [وها هنا نكتة بديعة في قوله: {إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} وهي أن الله تعالى قدم البراءة من المشركين العابدين غير الله، على البراءة من الأوثان المعبودة من دون الله، لأن الأول أهم من الثاني، فإنه قد يتبرأ من الأوثان ولا يتبرأ ممن عبدها، فلا يكون آتيا بالواجب عليه، وأما إذا تبرأ من المشركين، فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم. وهذا كقوله تعالى: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [5] ، فقدم اعتزالهم على اعتزال معبوداتهم، وكذا قوله: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [6] ، وقوله: {وَإِذْ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ} [7] ، فعليك بهذه النكت، فإنها تفتح بابا إلى عداوة أعداء الله. فكم من إنسان لا يقع منه الشرك، ولكنه لا يعادي أهله، فلا يكون مسلما بذلك إذ ترك دين جميع المرسلين.
ثم قال: {كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} فقوله: وبدا أي ظهر وبان وتأمل تقديم العداوة على البغضاء، لأن الأولى أهم من الثانية، فإن الإنسان قد يُبغض المشركين ولا يعاديهم، فلا يكون آتيا بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء، ولابد أيضا من أن تكون العداوة والبغضاء باديتين ظاهرتين بينتين.
(1) - سورة التوبة، الآية: 113
(2) - متفق ا عليه عن أسامة بن زيد
(3) - سورة الممتحنة، الآية: 4
(4) - سورة النحل، الآية: 123
(5) - سورة مريم، الآية: 48
(6) - سورة مريم، الآية: 49
(7) - سورة الكهف، الآية: 16