فهرس الكتاب
(شبهة)
يستدل البعض لإنكار جهاد الطلب بقوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [1] ، وأنه مادام الكافر مسالما فلا جهاد، ويستدلون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لاتتمنوا لقاء العدو» [2] . وهذا هو حال الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، الذين يستدلون بأحد أدلة المسألة ويتركون بقية الأدلة كما ذكرته في الأصل الرابع من أصول الإعتصام بالكتاب والسنة. والجواب على هذه الشبهة من أوجه:
الأول: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الذين هم خير هذه الأمة رضي الله عنهم لم يحملوا هذه النصوص على الوجه الذي فهمه هؤلاء، بأنها تعني ترك جهاد الطلب فقد قاتل النبي صلى الله عليه وسلم العرب ثم خرج لقتال الروم في تبوك، وقد غزا صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة [3] ، وقاتل بنفسه في ثمان منهن [4] أما البعوث والسرايا التي أرسلها ولم يخرج فيها فبلغت ستا وثلاثين في رواية ابن إسحاق وزاد غيره عن ذلك [5] . ثم غزا الصحابة من بعده صلى الله عليه وسلم الفرس والروم والترك والقبط والبربر وغيرهم مما هو معلوم، فهذا الذي استدل بهذه النصوص لإبطال جهاد الطلب نقول له:
هذا الذي فهمته شيء فهمه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته أم لا؟ فإن قال لم يفهموه. فنقول له فأنت فهمت ما لم يفهموه، وحكمت على نفسك بالضلالة وأن ما فهمته ليس من ديننا، لأن الدين اكتمل في حياته صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وفهمك هذا مردود ساقط «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» ، وقد خَرَجْتَ بهذا الفهم الفاسد عن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وعن سبيل صحابته، قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [6] .
أما إن قال بل فهموا ما فهمه هو، فنقول له: قد كانت سيرتهم بخلاف هذا الفهم، فإما أنه الحق وهم خالفوه ولا يقول بهذا إلا زنديق، وإما أنه الباطل والضلالة فليس هو فهمهم ولا عملهم.
الثاني: أما قول الله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [7] ، فستأتي أقوال السلف فيها في الفقرة (10) .
الثالث: وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لاتتمنوا لقاء العدو» فقد رواه البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس خطيبا فقال: أيها الناس لاتتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قال: اللهم منزل الكتاب
(1) - سورة الأنفال، الآية: 61
(2) - متفق عليه
(3) - متفق عليه عن زيد بن أرقم
(4) - رواه مسلم عن بريدة
(5) - (فتح الباري 7/ 279 ـ 281) و (صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 195)
(6) - سورة النساء، الآية: 115
(7) - سورة الأنفال، الآية: 61