فهرس الكتاب

الصفحة 310 من 403

ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم» [1] . قلت: واضح من نص الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في إحدى غزواته لقوله: (في بعض أيامه التي لقي فيها) أي العدو كما رواه مسلم، وقوله: «فإذا لقيتموهم فاصبروا» وقوله: «اهزمهم وانصرنا عليهم» ، فكيف يستدل بهذا الحديث على ترك الجهاد وهو إنما قاله صلى الله عليه وسلم في أثناء الغزو؟ ثم إن الحديث مشتمل على الحض على القتال والالتحام بالعدو، وذلك في قوله: «واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» ومعلوم أن المقاتل لا يكون تحت ظلال السيوف إلا عند الالتحام بعدوه حيث يعلو كل منهما صاحبه بسيفه [2] . فكونه صلى الله عليه وسلم قال هذا الحديث أثناء توجهه للقتال، وكونه حض على القتال في نفس الحديث، يدل على أن النهي عن تمني العدو ليس على إطلاقه وإنما هو من جهة خاصة، وهي التحذير من العُجْب والوثوق بالقوة، وما أشار إليه ابن حجر في شرحه لهذا الحديث قال: [إنما نهى عن تمني لقاء العدو لما فيه صورة الإعجاب والإتكال على النفوس والوثوق بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو، وكل ذلك يباين الاحتياط والأخذ بالحزم. وقيل: يحمل النهي على ما إذا وقع الشك في المصلحة أو حصول الضرر، وإلا فالقتال فضيلة وطاعة] [3] ، وقال النووي مثله [4] . قلت: ومما يدل على أن النهي عن تمني لقاء العدو ليس على إطلاقه، تمني أنس بن النضر - رضي الله عنه - لقاء العدو بمحضر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه، وذلك فيما رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: غاب عمي أنس بن النضر رضي الله عنه عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتَلْتَ المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين لَيَرَيَن الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني أصحابه ـ وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء ـ يعني المشركين ـ ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد! قال سعد فما استطعت يا رسول الله ما صَنَعَ! قال أنس: فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتِلَ ومَثَّلَ به المشركون، فما عَرَفه أحد إلا أخته بِبَنَانه. قال أنس: كنا نرى ـ أو نظن ـ أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: {مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ} أ هـ. قلت فهذا الصحابي الجليل تمنى لقاء العدو، وصدق الله في ذلك، وبهذا ترى أن النهي عن تمني لقاء العدو إنما هو من جهة العُجْب والفخر وهما مذمومان، وبهذا ترى فساد هذه الشبهة التي يتعلل بها بعض الزائغين لإنكار جهاد الطلب الذي جعله الله تعالى وسيلة لإظهار الدين، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [5] ، وقال تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [6] ، وقال تعالى:

(1) - حديث 2965 و2966

(2) - (فتح الباري 6/ 33)

(3) - (فتح الباري 6/ 156)

(4) - (صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 45 ـ 46)

(5) - سورة الآنفال، الآية: 39

(6) - سورة التوبة، الآية: 33 وسورة الصف، الآية 9

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت