فهرس الكتاب
{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [1] . قال ابن القيم رحمه الله: [والمقصود من الجهاد إنما أن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله] وقال: [فإن من كون الدين كله لله إذلال الكفر وأهله وصغاره وضرب الجزية على رؤوس أهله والرق على رقابهم، فهذا من دين الله، ولا يناقض هذا إلا ترك الكفار على عِزِّهم وإقامة دينهم كما يحبون بحيث تكون لهم الشوكة والكلمة] [2] .
قلت: ولا تناقض بين ما سبق وبين قوله تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ} [3] ، فالقتال واجب حتى تكون كلمة الله هي العليا ولا يتأتى ذلك إلا بغلبة المسلمين لعدوهم وعلو أحكام الإسلام على البلاد المفتوحة، أم عن أهل هذه البلاد فمن أسلم فيها ونعمت، ومن استمر على كفره فلا يُكره على اعتناق الإسلام، بل يبقى على كفره ولكن تحت حكم المسلمين، فالإكراه المنفي في سورة البقرة {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} هو الإكراه على الإيمان، أما الكراهة المثبتة في آية التوبة {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} فهي كراهيتهم لعلو حكم الإسلام عليهم مع بقائهم على دينهم.
وقد تقرر في الشريعة قَبول الجزية من أهل الكتاب ومَنْ في حكمهم {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} ولا يكرهون على الإسلام، أما عَبَدَة الأوثان ففي قبول الجزية منهم خلاف [4] .
قلت: وينبغي أن يعلم المسلم أن الإيمان يكون جهاد الطلب واجبا على المسلمين معناه مصادمة القوانين الدولية المعاصرة التي تحرم اعتداء الدول بعضها على بعض وتمنع امتلاك أراضي الأرض الغير بالقوة، هذه القوانين التي يتحايل عليها الأقوياء الذين وضعوها. ولكن قال الله تعالى: {فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي} [5] ، وقال تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ} [6] ، وهذه الأحكام كلها منوطة بالقدرة والاستطاعة. وهذه الاستطاعة يجب تحصيلها حين العجز لتحقيق هذه الواجبات، قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} [7] .
(1) - سورة التوبة، الآية: 29
(2) - (أحكام أهل الذمة لابن القيم 1/ 18)
(3) - سورة البقرة، الآية: 256
(4) - وراجع تفسير {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} في تفسير ابن كثير.
(5) - سورة المائدة، الآية: 44
(6) - سورة الحج، الآية: 40
(7) - سورة الأنفال، الآية: 60