فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 403

(فقرة 9) والأمة المسلمة أمة مجاهدة، فيجب أن تصاغ سياستها وفقا لهذه الصفة.

من الفقرات السابقة تعلم أن المسلمين مكلفون بجهاد الطلب وجهاد الدفع، وأن الجهاد قد يكون فرض كفاية أو فرض عين عليهم، وأن التدريب العسكري واجب وتجب المواظبة عليه. فإذا نظرنا إلى جهاد الطلب وهو قصد العدو في داره، فإن جمهور العلماء على أنه يجب على المسلمين فعله مرة واحدة في السنة، وهذا هو أدنى الواجب، ولا يمنع من هذا إلا عجز بالمسلمين أو صلح مع العدو. ويرى آخرون أنه يجب كلما أمكن ذلك دون تحديد بعدد.

والذين أوجبوه مرة واحدة في العام ـ وهم الجمهور ـ حجتهم أن الجزية تجب على غير المسلمين في دار الإسلام بدلا من الجهاد، وأنها تجب مرة واحدة في العام بالإجماع، فليكن مبدلها وهو الجهاد مرة واحدة في العام [1] .

قلت: وهذا الحكم يمكن استنباطه كذلك من قوله تعالى: {أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} [2] ، ونقل ابن كثير في تفسيرها عن قتادة قوله: (يفتنون بالغزو في السنة مرة أو مرتين) .

قال القرطبي في جهاد الطلب: [وقسم ثان من واجب الجهاد فرض أيضا على الإمام إغزاء طائفة إلى العدو كل سنة مرة يخرج معهم بنفسه أو يخرج من يثق به ليدعوهم إلى الإسلام ويرغمهم ويكف أذاهم، ويظهر دين الله عليهم حتى يدخلوا في الإسلام أو يعطوا الجزية عن يد، ومن الجهاد أيضا ما هو نافلة، وهو إخراج الإمام طائفة بعد طائفة وبعث السرايا في أوقات الغِرَّة وعند إمكان الفرصة، والإرصاد لهم بالرباط في موضع الخوف وإظهار القوة] [3] . قلت: فالقرطبي ـ كالجمهور ـ اعتبر الواجب مرة في العام وما زاد عن ذلك فهو نافلة.

فإذا نظرنا إلى هذا الواجب وإذا أخذنا في الاعتبار وجوب الإستعداد الدائم للجهاد الوارد في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} [4] ، علمنا أن الأمة الإسلامية أمة مجاهدة في المقام الأول، وحتى تتمكن من أداء هذه الواجبات ينبغي أن تساغ سياساتها الخارجية والداخلية لتحقيق هذه الواجبات، فالسياسة التعليمية والصناعة والزراعة والتجارة والإسكان وغيرها، كل هذا ينبغي أن يُخَطَّط ويُسَخَّر لخدمة الجهاد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» وشبك بين أصابعه [5] . وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» [6] .

(1) - (انظر المغني والشرح الكبير 10/ 367 و368)

(2) - سورة التوبة، الآية: 126

(3) - تفسير القرطبي 8/ 152

(4) - سورة الأنفال: الآية: 60.

(5) - متفق عليه عن أبي موسى

(6) - متفق عليه عن النعمان بن بشير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت