فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 403

(فقرة 10) ولا يمنع المسلمين من الجهاد إلا العجز، ويجب الإعداد حينئذ

وذلك لقوله تعالى: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ} [1] ، فما دامت بالمسلمين قوة وكانوا أعلى من عدوهم فلا سِلْم ولا هدنة ولا صلح، بل القتال حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. وذلك لأن آخر ما نزل في الجهاد هو قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [2] ، فهذه الآية وآية الجزية بنفس الصورة أمر بالقتال العام، وهو من أواخر ما أنزل من القرآن، فلا ناسخ له، روى البخاري عن البراء - رضي الله عنه - قال: (آخر سورة نزلت براءة) [3] .

وهكذا فَعَل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده في قتال المشركين وأهل الكتاب كما يأتي في الفقرة (13) ، ولا يمنع من هذا إلا العجز ولذلك ترى الكافرين يجتهدون في منع المسلمين من حيازة السلام، كما قال تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} [4] . وقد كررت في هذه الرسالة أنه إذا منع من الجهاد عجزٌ وَجَب الاستعداد، للآية {وَأَعِدُّوا لَهُمْ} ، وهكذا قال ابن تيمية رحمه الله [5] .

مما سبق تعلم أن الأصل في العلاقة بين المسلمين والكافرين هو القتال وأن الإستثناء منه هو السلم في صورة هدنة أو صلح وأنه لا يلجأ إلى هذا الاستثناء إلا لضرورة من عجز ونحوه، وذلك لقوله تعالى: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ} [6] .

أما الآية المحتج بها فلا حجة فيها إذ إنها محمولة على جواز المسالمة بشرط حاجة المسلمين لذلك وهذا الشرط تبينه الآية الأولى {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ} [7] ، فآية الأنفال تختص بحال وهو كون المسالمة في مصلحة المسلمين ويحتاجون إليها، أما آية سورة محمد صلى الله عليه وسلم فهي تختص بحال آخر وهو كون المسالمة ليست في مصلحة المسلمين وذلك عندما تكون بهم قوة يقهرون بها عدوهم فإنه لا توجد المسالمة حينئذ لهذه الآية ولأن في هذا عدول عن الأصل المطلوب وهو إظهار دين الإسلام على ماعداه، لقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [8] ، وقوله تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [9] ، هذا هو الأصل المقصود: إظهار الإسلام بقتال المشركين فإما أن يسلموا ويعودوا إلى العبودية لله رب العالمين، وإما أن يظلوا على كفرهم مؤدين الجزية تحت حكم الإسلام يجري عليهم الصغار اللازم لكل من تمرد على العبودية للواحد القهار، قال تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [10] ، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ} [11] .

قال ابن كثير في تفسير آية الأنفال {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [12] ، قال: [قال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخرساني وعكرمة والحسن وقتادة إن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ} الآية، وفيه نظر أيضا، لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفا فإنه يجوز مهادنتهم كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبيصلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص والله أعلم] أهـ.

وقال ابن حجر في نفس الآية {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} قال: [هذه الآية دالة على مشروعية المصالحة مع المشركين ـ إلى قوله ـ ومعنى الشرط في الآية أن الأمر بالصلح مقيد بما إذا كان الأحظ للإسلام المصالحة، أما إذا كان الإسلام ظاهرا على الكفر ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا] [13] . فالآية المحتج بها دالة على مشروعية المسالمة عند الحاجة لا وجوب المسالمة.

قلت: ولا ينبغي أن يفهم مما سبق أن الإسلام لا يدعو إلى السلام، بل يدعو إليه ولكن من منظوره الخاص، بل هو يريد هذا بجميع الخلق، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [14] . وقال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [15] ، وقال تعالى: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا} [16] ، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ} [17] . هذا هو السلام في مفهوم الإسلام: الرحمة بالخلق وإخراجهم من الظلمات إلى النور والحض على مكارم الأخلاق وتحريرهم من العبودية للبشر

(1) - سورة محمد، الآية: 35

(2) - سورة التوبة، الآية: 5

(3) - حديث: 4654

(4) - سورة النساء، الآية: 102

(5) - مجموع الفتاوى 28/ 259

(6) - سورة محمد، الآية: 35

(7) - سورة محمد، الآية: 35

(8) - سورة الأنفال، الآية: 39

(9) - سورة التوبة، الآية: 33

(10) - سورة التوبة، الآية: 29

(11) - سورة المجادلة: الآية: 20

(12) - سورة الأنفال، الآية: 61

(13) - فتح الباري 6/ 275 و276

(14) - سورة الأنبياء، الآية: 107

(15) - سورة البقرة، الآية: 257

(16) - سورة الأعراف، الأيتان: 56 ـ 185

(17) - سورة النحل، الآية: 90

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت