فهرس الكتاب
قلت: فقد أجمع الصحابة على البدء بقتال المرتدين، ولا يُشكل على هذا بعث أسامة بن زيد إلى الروم في بدء خلافة أبي بكر رضي الله عنهم، فإنه ما فعل ذلك إلا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم به، وقد كان فيه خير عظيم في إرهاب من أراد الارتداد [1] .
)فقرة 15(والسلطان إذا كفر وكان ممتنعا وجب قتاله فرضَ عين ويُقَدم على غيره.
أ = وهذا كشأن الحكام الذين يحكمون بغير شريعة الإسلام في كثير من بلدان المسلمين، فهؤلاء كفار، لقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ} [2] ، ولقوله تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [3] ، وغيرها من الأدلة، ومعظم هؤلاء يدعون الإسلام فهم بالكفر صاروا مرتدين.
والحق أن هؤلاء الحكام مع حكمهم بغير ما أنزل الله يُشَرِّعون للناس ما يشاءون من أحكام فهم قد نَصَبُوا أنفسهم أربابا وآلهة للناس من دون الله تعالى، كما قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} [4] ، وقال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [5] . فكفرهم كفر مزيد مركب مع صدهم عن سبيل الله.
وقد بسطت القول في هذه المسألة في رسالة أخرى) وهي رسالة دعوة التوحيد (حيث أجبت عن الإعتراضات الواردة على آية المائدة {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ} ، وبينت أنه نص عام من أوجه كثيرة، وأن الكفر في الآية هو الكفر الأكبر وأنه إذا اختلفت أقوال الصحابة في تفسير آية اخترنا من أقوالهم ما يؤيده الكتاب والسنة كما هو مقرر في الأصول، وبينت كذلك أن ما يحدث في كثير من بلدان المسلمين الآن هو نفس صورة سبب نزول الآية وهو تعطيل حكم الشريعة واختراع حكم جديد وجعله تشريعا مُلزِما للناس، كما عطل اليهود حكم التوراة برجم الزاني واخترعوا تشريعا بديلا، وذكرت في رسالتي المشار إليها أن صورة سبب النزول قطعية الدخول في النص، كما هو مقرر في الأصول، وهو ما أشار إليه إسماعيل القاضي كما نقل ابن حجر [وقال إسماعيل القاضي في"أحكام القرآن"بعد أن حكى الخلاف في ذلك ظاهر الآيات يدل على أن من فعل مثل ما فعلوا واخترع حكما يخالف به حكم الله وجعله دينا يُعمل به، فقد لزمه مثل ما لزمهم من الوعيد المذكور حاكما كان أو غيره] [6] .
(1) -) البداية والنهاية لابن كثير 6/ 304 ـ 305 (
(2) - سورة المائدة، الآية: 44
(3) - سورة الأنعام، الآية: 1
(4) - سورة الشورى، الآية: 21
(5) - سورة التوبة، الآية: 31
(6) -) فتح الباري 13/ 120 (