فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 403

وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» [1] .

وكما ترى يا أخي المسلم أن ترك الجهاد هو من أسباب ذل المسلمين، وتغيير هذا يكون بالعودة إلى الجهاد، خاصة الواجب منه كجهاد الطواغيت، فالجهاد داخل ضمن تغيير ما بالأنفس ليس مخالفا كما قال الشيخ الألباني، وتغيير ما بالأنفس لا يكون بالعلم والتربية فقط ـ الذي أسماه الشيخ طريق الخلاص ـ بل الجهاد أيضا الذي أنكره الشيخ طريقا للخلاص.

8 = ونحن نتفق مع الشيخ في وجوب تغيير ما بالأنفس ليرفع الله تعالى عنا ما نحن فيه من مذلة وهوان، وقد ذكرت هذا في الأصل الخامس من (الأصول الخمسة لتحقق سنة النصر القدرية أو تخلفها) في أوائل مسألة (الإعداد الإيماني للجهاد) ولكنا نختلف مع الشيخ في أمور:

= منها اعتباره الخروج المسلح (الجهاد) مخالفا لتغيير ما بالأنفس كما سبق أعلاه.

= وبالتالي قصره تغيير ما بالأنفس على العلم والتربية، وسوف أفرد لهذين الأمرين (العلم والتربية) الملحقين الثالث والرابع في نهاية هذا الفصل، وسترى يا أخي في هذه الملاحق أن العلم الشرعي والعدالة ليسا من شروط وجوب الجهاد، وأن الجاهل والفاسق مخاطبان بالجهاد تماما كالعالم والصالح. وأن الجهاد الواجب المتعين لا يؤجَّل ـ عند القدرة ـ بتحصيل ما ليس بشرط لوجوبه، وإذا لم يمكن الجهاد إلا مع أمير فاجر أو عسكر كثير الفجور فالواجب الجهاد معهم لدفع المفسدة الأعظم مفسدة الكافرين، هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة كما قال ابن تيمية: [ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة الغزو مع كل بَرٍّ وفاجر، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لاخلاق لهم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه إذا لم يتفق الغزو إلا مع الأمراء الفجار، أو مع عسكر كثير الفجور، فأنه لابد من أحد أمرين: إما ترك الغزو معهم فيلزم من ذلك استيلاء الآخرين الذين هم أعظم ضررا في الدين، وإما الغزو مع الأمير الفاجر فيحصل بذلك دفع الأفجرين، وإقامة أكثر شرائع الإسلام، وإن لم يمكن إقامة جميعها، فهذا هو الواجب في هذه الصورة، وكل ما أشبهها، بل كثير من الغزو الحاصل بعد الخلفاء الراشدين لم يقع إلا على هذا الوجه] أ هـ [2] .

= كذلك فإنه إذا لم يمكن جهاد الكافرين إلا مع قوم من المبتدعة، فالواجب الجهاد معهم، ولا نقول لا نجاهد حتى يتركوا البدع بل نجاهد مع المبتدعة وندعوهم ـ مع ذلك ـ إلى التزام السنة، قال ابن تيمية: [فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترم ذلك الواجب: كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرا من العكس، ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل] [3] .

ولابن حزم كلام شديد في النكير على من ينهى عن جهاد الكفار مع أمير فاسق، قال: [ولا إثم بعد الكفر أعظم من إثم من نهى عن جهاد الكفار وأَمَر بإسلام حريم المسلمين إليهم من أجل فسق رجل مسلم لا يُحاسَب غيرُه بفسقه] [4] .

قلت: فنحن نتفق مع الشيخ في أن تسلط الكفار والظلمة علينا إنما هو بمعاصينا لقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [5] ، هذه عقوبة قدرية لنا، ولكنا نختلف مع الشيخ في أنه قصر وسيلة دفعهم على السبب القدري بالتوبة من المعاصي والإنابة إلى الله، واستنكر الشيخ الوسيلة الشرعية لدفع الكفار ـ كالحكام المرتدين ـ تلك الوسيلة الشرعية هي الجهاد الذي أسماه الشيخ الخروج المسلح.

9 = ومن التناقضات في كلام الشيخ الألباني أنه يدعو المسلمين للصبر على حكامهم في نفس الوقت الذي يدعوهم لجهاد الكفار المستعمرين حيث قال: [وأما الكفار المستعمرون فلا طاعة لهم بل يجب الإستعداد التام مادة ومعنى لطردهم وتطهير البلاد من رجسهم] [6] . والكافر المستعمر هو الكافر الأجنبي، وقد بينت من قبل أنه لا فرق بين أن يكون الكافر المتسلط على المسلمين أجنبيا أو محليا، إذ إن علة وجوب جهاده قائمة في الحالتين وهو وصف الكفر، كما أن الكافر المحلي صار بكفره أجنبيا عن المسلمين لقوله تعالى: {قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} [7] ، وقد فصلت هذا من قبل.

10 = ومن التناقضات ـ أيضا ـ في كلام الشيخ، قوله ـ في نفس الكتاب ـ [اعلم أن الجهاد على قسمين: الأول فرض عين، وهو صد العدو المهاجم لبعض بلاد المسلمين، كاليهود الآن الذين احتلوا فلسطين، فالمسلمون جميعا آثمون حتى يخرجوا منها] [8] . وقد ذكرت ـ من قبل ـ في هذه الفقرة أن الحكام المرتدين هم أيضا عدو كافر متسلط على بلاد المسلمين وأن جهادهم ـ لذلك ـ فرض عين، بل إن جهادهم مُقَدَّم على جهاد اليهود لسببين: القُرْب والرِّدَّة، بل إن اليهود لا يستقر لهم مقام بفلسطين إلا في كنف هؤلاء الحكام الطواغيت المرتدين.

ثم إن لنا أن نسأل الشيخ سؤالا: لماذا قال إن طريق الخلاص من ظلم الحكام هو طريق تغيير ما بالأنفس بالعلم والتربية، ثم قال إن طريق الخلاص من اليهود هو طريق الجهاد، مع إن كلاَّ من الحكام المرتدين واليهود هم كفار تسلَّطوا ـ قدرا ـ على المسلمين بذنوبهم، فلماذا فَرَّقَ الشيخُ بين أسلوبيّ المواجهة؟. قال عمر بن الخطاب لسعد بن أبي وقاص ـ في مسيره لغزو الفرس ـ (ولا تقولوا إن عدونا شر منا، فلن يُسَلَّط علينا فرب قوم سُلِّط عليهم شرٌ منهم، كما

(1) - رواه أبو داود بإسناد حسن، وصححه الألباني.

(2) - راجع كلامه على التفصيل في (مجموع الفتاوى ج 28 ص 506 ـ 508) .

(3) - (مجموع الفتاوى 28/ 212) .

(4) - المحلى 7/ 300

(5) - سورة النساء، الآية: 79

(6) - (كتاب العقيدة الطحاوية شرح وتعليق الألباني ص 48) .

(7) - سورة هود، الآية: 46

(8) - ص: 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت