فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 403

سُلِّط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفارُ المجوس {فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا} [1] ، وقد سبقت هذه الوصية من قبل. وفي حديث ثوبان مرفوعا «وَأَنْ لا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا» [2] . وهذا نص في أن العدو الكافر لا يتسلط على المسلمين إلا إذا بلغوا من الفساد مبلغا، وهذا أمر قدري. فهل الواجب ـ إذا تسلط العدو الكافر على المسلمين ـ هو الإقتصار على دفع السبب القدري للعدوان (بإصلاح ما بالأنفس) أم الواجب هو دفع العدوان بما شرعه الله تعالى من الجهاد؟ وما الذي أجمع عليه سلف الأمة في هذا المقام: التربية أم وجوب الجهاد العيني؟ وأيهما أوجب قتاله: المرتد كهؤلاء الحكّام أم الكافر الأصلي كاليهود؟ [3] .

وأيهما أوجب قتاله: العدو الأقرب إلى المسلمين كهؤلاء الحكام أم الأبعد كاليهود؟ [4] .

وما قاله الشيخ من ضرورة إصلاح القاعدة لتأسيس البناء عليها، نتفق معه في أنه لابد من الدعوة والتربية لتكون طائفة تقوم بالجهاد لدفع فتنة الكافرين، أما الدعوة والتربية المطلقة هكذا دون أن نضع الجهاد نصب أعيننا فأرى أنها لن تأتي بنتيجة إذ إن عوامل الهدم والإفساد تعمل هي الأخرى وتدعمها وزارات التعليم والإعلام والأوقاف الحكومية وتحميها أجهزة القمع البوليسي، كما أعود فأذكِّر بأن الإقتصار على التربية كوسيلة للإصلاح فيه حَيْدَة عن الواجب الشرعي وهو الجهاد. وفيه مخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يسلك مسلك التربية المطلقة هكذا، وإنما دعا حتى تكونت طائفة ذات شوكة جاهد بها الكفار. امتثالا لما أمره به الله تعالى في قوله: «وقَاتِل بِمَن أطاعك مَنْ عصاك» [5] ، ولقوله تعالى: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَاسَ الَّذِينَ كَفَرُوا} [6] ، فجعل سبحانه تحريض المؤمنين طريقا لكف بأس الكافرين ودفع فتنتهم بالجهاد. وهذه الآية والحديث قبلها نَصَّان واضحان في إفادة المُراد.

نعم العلم والتربية حق، وجزء من الإعداد للجهاد، من أجل تكوين طائفة ذات شوكة قادرة على التمكين لدين الله تعالى في الأرض. ومع ذلك نقول إذا اكتملت القوة المادية لطائفة مجاهدة ولم تكن على المستوى التربوي المرضي فالواجب شرعا الجهاد معها عملا بما استقر عند أهل السنة والجماعة من الغزو مع البر والفاجر.

خاتمة: ومما يزيد خطورة هذه الشبهة للشيخ الألباني أنها أصبحت مدرسة قائمة بذاتها لها أتباع يرددونها في كثير من بلدان المسلمين، بل قد صارت هذه الشبهة حجة لكل قاعدٍ عن الجهاد ولكل راكنٍ إلى الدنيا، ومن هؤلاء الأتباع

(1) - سورة الإسراء، الآية: 5

(2) - رواه مسلم.

(3) - راجع الفقرة 14.

(4) - راجع الفقرة 13.

(5) - رواه مسلم عن عياض بن حمار.

(6) - سورة النساء، الآية: 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت