فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 403

من يداهن الطواغيت ويشاركهم في برلماناتهم الشركية، أَيُّ تربيةٍ هذه التي لا تبدأ بالكفر بالطاغوت؟، قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [1] ، نَفْيٌ قبل الإثبات كما في شهادة (لا إله إلا الله) ، وأَيُّ تربية هذه لا تبدأ بالبراءة من الكافرين، مِلَّة إبراهيم - عليه السلام -، وقال تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} ؟ [2] ، وأَيُّ تربية هذه التي لا تُثْمِر أمرًا بمعروفٍ ونهيًا عن منكر، شرط خَيْرِيَّة هذه الأمة؟.

لقد صار للشيخ أتباع مقلدون في هذه الشبهة وغيرها، وإن السلفية ـ مع اعتراضنا على هذه التسمية ـ لا ينبغي أن تكون مذهبا، فإنها ما أبرزت إلا لمحاربة التعصب المذهبي، فينبغي أن تكون السلفية منهجًا قائمًا على تحري الدليل واتِّباعه. فالسلفية منهج وليست مذهبًا، قال تعالى: {أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [3] .

ولقد قلت ـ من قبل ـ وأكرر هنا أن هذه الفتنة، فتنة الحكام المرتدين، تفوق فتنة خلق القرآن في خطرها على الأمة، ولا يليق بالشيخ الألباني أن تصدر عنه مغالطات في هذه المسألة.

وإني لأرجو أن يبين الشيخُ بنفسه وجهَ الحق في هذه الشبهة الخطيرة، إبراءً لذمته وحرصا على أَتْبَاعِهِ. ولا ننكر فضله وجهده في خدمة السنة النبوية، ولا تُنْقِصُ هذه الشبهة من منزلته، فلكل جواد كبوة، وقال تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا} [4] ، وأسأل الله العلي العظيم أن يختم لنا وله بصالح الأعمال. آمين.

(فقرة 16) والطواغيت الأحياء أعظم من الطواغيت الأموات.

وأقصد بالطواغيت الأحياء أئمة الكفر والحكام المرتدين الذين يحكمون المسلمين بالشرائع المُبَدَّلة ويشيعون الكفر والفواحش فيهم. وأقصد بالطواغيت الأموات القبور والأحجار والأشجار وغيرها من الجمادات التي تُعبد من دون الله تعالى بشتى صور العبادة من الدعاء والاستغاثة والذبح والنذر وغيرها. فلا جدال في أن الأحياء أعظم فتنة من وفسادا من هؤلاء، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بقتال الطواغيت الأحياء قبل إزالة الطواغيت الأموات، فما أزال النبي صلى الله عليه وسلم الأصنام إلا بعد فتح مكة، كما روى البخاري عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح، وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول"جاء الحق وزهق الباطل"،"جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد") [5] ، ثم أرسل صلى الله عليه وسلم أصحابه لإزالة بقية الأصنام بجزيرة العرب، وذلك بعد ما أزال سلطان الطواغيت الأحياء، مع إنكاره صلى الله عليه وسلم عليهم وعلى أصنامهم وتبروئه منهم منذ بدء البعثة.

وهذه هي ملة إبراهيم - عليه السلام - البراءة من الكافرين الأحياء قبل البراءة من معبوداتهم قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [6] ، وقد سبق قول الشيخ حمد بن عتيق في هذه الآيات (في فقرة 5) وقال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [7] .

وليس المقصد مما سبق بيان الترتيب بل بيان الأهمية، فلا يعني كلامي السابق مشروعية السكوت عن الطواغيت الأموات وعابديهم حتى نقضي على الطواغيت الأحياء، فإن الشريعة قد اكتملت ومن رأى منكم منكرا فليغيره قدر الإستطاعة، أما الأهمية التي أردت التنبيه عليها: فهي أن إفساد الطواغيت الأحياء لدين الناس يكاد يهدد الجم الغفير من المسلمين بالردة الشاملة تارة بالإرهاب وتارة بالمكر والخديعة، وهذا الإفساد لا يدانيه خطر الطواغيت الميتة.

فالعجب من أناسٍ ينتسبون إلى العلم والدين ومذهب السلف فَرَّغوا أقلامهم في هذا الزمان لمهاجمة الطواغيت الميتة ونسوا أو تناسوا الطواغيت الحية، وترى أحدهم يعيش في بلد يستظل بالقوانين الوضعية الكافرة والديمقراطية الكافرة، وهو متجاهل لها تماما ويغض الطرف عنها وهو ـ مع هذا ـ يشهر حسامه وسيفه ـ على صفحات الكتب ـ على الطواغيت الميتة وعلى عابديها من العُزَّل من السلاح، قال تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [8] ، فتأمل هذا تدرك بعض أسباب ما نحن فيه من محن وبلاء، وهو أن المستَأمَنِين على العلم والدين لم يؤدوا دورهم في البلاغ والتحذير. فكيف بمن رضي وتابع؟ وكيف بمن أسبغ الشرعية على هؤلاء الطواغيت؟. وإذا تكلم أحدهم عن الجهاد تجده يذكر الجهاد في فلسطين وأفغانستان فقط لأن هذا هو القدر المسموح به في بعض البلدان، مع أن جهاد الحكام المرتدين أوجب من جهاد اليهود فكلاهما عدو كافر حل ببلد المسلمين ويفوق الحكام المرتدون اليهودَ بأمرين: القرب والرِّدة وكلاهما يستوجب البدء بهؤلاء الحكام [9] . كما لا يخفى أن من يجاهد في فلسطين أو أفغانستان يسمى بطلا وشهيدا وتغدق عليه الأموال والإعانات أما في غيرهما فهو مجرم إرهابي خارج على الشرعية، شرعية الكفر. فتأمل هذا.

وتأمل أيضا هذا الحديث تدرك خطر الطواغيت الحية، وهو ما رواه البخاري عن قيس بن أبي حازم أن امرأة من أحمس سألت أبي بكر فقالت: (ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم. قالت وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومك رؤوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟ قالت: بلى. قال: فهم أولئك على الناس) [10] . وقال ابن حجر في شرحه: [ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح أي دين الإسلام

(1) - سورة البقرة، الآية: 256.

(2) - سورة الكافرون، الآية: 6.

(3) - سورة البقرة، الآية: 44

(4) - سورة النساء، الآية: 82

(5) - حديث: 4287

(6) - سورة الممتحنة، الآية: 4

(7) - سورة النحل، الآية: 123

(8) - سورة الأنفال، الآية: 7

(9) - كما في الفقرتين 13 و14

(10) - حديث 3834.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت