فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 403

ج = تأليف القلوب: وهو من ثمار التقوى، قال تعالى: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [1] ، وتفصيل ذلك أن الله تعالى يُلْقِي محبة أهل طاعته في قلوب الخلق، فإذا كانت التقوى هي سمة الطائفة المجاهدة في السر والعلن، فلابد من أن تثمر محبة متبادلة وتأليفا للقلوب داخل هذه الطائفة، وهذا من أعظم أسباب تماسك الصف المؤمن ومن أعظم أسباب قوة الجماعة المؤمنة، فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى العَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ فُلانًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ» [2] ، وزاد مسلم في رواية «وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ إِنِّي أُبْغِضُ فُلانًا فَأَبْغِضْهُ فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ» أهـ. ومصداق هذا في كتاب الله، قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا} [3] ، {وُدًّا} أي مودة ومحبة.

وعلى النقيض من ذلك فإن أي معصية يفعلها الفرد هي معول يفت في عضد الجماعة، بما يترتب على هذه المعصية من البغضاء التي يلقيها الله في قلوب الخلق للعاصي، كما في حديث أبي هريرة السابق، وكما في قوله تعالى: {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ} [4] .

هذا فيما يتعلق بالتقوى وحاجة العبد إليها في حياته وجهاده ومعاده.

3 = الصبر والمصابرة:

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [5] ، وفي مجال التدريب والجهاد نقول:

اصبروا: أي على طاعة الله، فالتدريب والجهاد طاعة لله تعالى الذي أمر بإعداد القوة، فيجب على المسلم الصبر على هذه الطاعة وما فيها من مشاق وبذل للمال وغربة عن الأهل وتعرض للجراح.

وصابروا: أي صابروا أعداء الله، أي نافسوهم في الصبر، وفي مجال التدريب العسكري تكون المصابرة بأن تتدرب أكثر من أعداء الله كَماًّ وكَيْفًا ما استطعت ذلك، قال تعالى: {إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} [6] .

ومما يدخل في الصبر، الصبر على أهوال القتال وقَتْل الإخوان وكَلَبِ الأعداء، قال الله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [7] ، قال ابن كثير رحمه الله في تفسيرها {الْبَاسَاءُ} الفقر {وَالضَّرَّاءُ} السقم {وَزُلْزِلُوا} خُوفوا من الأعداء زلزالا شديدا وامتحنوا امتحانا عظيما كما جاء في الحديث الصحيح عن خَبَّاب بن الأرثّ قال: قلنا يا رسول الله ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا فقال: «إن من كان قبلكم كان أحدهم يوضع له المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه، ثم قال: والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون» وقال الله تعالى: {الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [8] ، وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة رضي الله تعالى عنهم في يوم الأحزاب كما قال الله تعالى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا} [9] الآيات، ولما سأل هرقل أبا سفيان هل قاتلتموه قال: نعم. قال: فكيف كانت الحرب بينكم، قال: سِجَالا يُدال علينا ونُدال عليه قال: كذلك الرسل تُبْتَلَى ثم تكون لها العاقبة. أهـ.

قلت: وقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} يدل على أن هذا الإبتلاء بالبأساء والضراء والزلزلة سنة قدرية، وقعت لمن كان قبلنا، وستقع لنا، ولابد، وهي من مقدمات النصر، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا» . وعلى كل مسلم أن يهيئ نفسه لهذه السُّنة.

ومما يدخل في الصبر على شبهات المخذلين والمخالفين والمرجفين، قال تعالى: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ} [10] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةٌ بِأَمْرِ الله، لا يَضُرُّهُم مَنْ خَذَلَهُم أَو خَالَفَهُم حَتَى يَاتَيَ أَمْرُ الله وَهُم ظَاهِرُونَ عَلَى النَّاس» [11] . فلابد لكل من قام بحق من لائمٍ يلومُه ومُخَذِّل يُثَبطه

(1) - سورة آل عمران، الآية: 103

(2) - متفق عليه.

(3) - سورة مريم، الآية: 96

(4) - سورة المائدة، الآية: 14

(5) - سورة آل عمران، الآية: 200

(6) - سورة النساء، الآية: 104

(7) - سورة البقرة، الآية: 214

(8) - سورة العنكبوت، الآيات: 1 إلى 3

(9) - سورة الأحزاب، الآيات: 10 إلى 12

(10) - سورة المائدة، الآية: 54

(11) - متفق عليه عن معاوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت