ومُخالف يُلَبِّس عليه أمره، فإن صبر جاءه نصر الله تعالى: {أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [1] ، وقد بشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن هؤلاء المخذلين والمخالفين لن يضروه إن شاء الله تعالى.
ومما يدخل في الصبر، الصبر على طول الطريق، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لخباب: «ولكنكم قوم تستعجلون» [2] ، وهذه جِبِلَّة الإنسان {وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولا} [3] ، والإستعجال يفسد أكثر مما يصلح، ومن تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، والتعجل علة الحرمان، وهذه قاعدة فقهية، ألا ترى إنك إذا قطفت ثمرة غير ناضجة فلا أنت انتفعت بها ولا أنت تركتها حتى تنضج وتنتفع بها.
إن الإستعجال يفتح بابا للشيطان، ليدفع بالعبد إلى التنازل التدريجي عما هو عليه من الحق، ظنا منه أنه يختصر الطريق، وهو قد ضل الطريق وحاد عنه، قال تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} [4] ، إن هذا التنازل وهذه الحَيْدة عن الحق عادةً ما تغلف بما يواري السوأة كالقول بأن هذا من الحكمة والسياسة ومصلحة الدعوة، وكل هذا من تزيين الشيطان لأوليائه {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا} [5] ، وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [6] ، فينبغي أن يعلم المسلم أن اتِّباع الحق والصبر عليه هو أقصر الطرق إلى النصر، وإن طال الطريق وكثرت عَقَبَاتُه وقل سالكون، وإن الحَيْدَة عن الحق لا تأتي إلا بالخذلان وإن سَهُل طريقها وخيل لسالكه قرب الظفر، فإنما هي أوهام، قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [7] .
ومما يدخل في الصبر، الصبر على إعراض عن دعوة الحق، قال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [8] ، وقال تعالى: {لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [9] ، فإن قله الأتباع مما يُلبِّس به الشيطان على
(1) - سورة البقرة، الآية: 214
(2) - رواه البخاري.
(3) - سورة الإسراء، الآية: 11
(4) - سورة الإسراء، الآيات: 73 إلى 75
(5) - سورة النساء، الآية: 120
(6) - سورة الزخرف، الآيتان، 36 ـ 37
(7) - سورة الأنعام، الآية: 153
(8) - سورة يوسف، الآية: 103
(9) - سورة الزخرف، الآية: 78