فهرس الكتاب

الصفحة 390 من 403

العبد، بأنه لو كان هذا هو الحق لاتبعه كل الناس، فيصرف العبد عن الحق بهذا التلبيس، وقد قال الله تعالى عن نوح - عليه السلام: {وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلا قَلِيلٌ} [1] ، وقال تعالى ـ في وصف فرعون لموسى وأتباعه {إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} [2] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ إنه يوم القيامة ـ «ويؤتى النبي وليس معه أحد» [3] .وقال تعالى ـ عن حجة الكافرين ـ {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [4] ، فلا تستوحش طريق الحق وإن قل سالكوه، ولا تغتر بطرق الباطل وإن كثر الهالكون، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَاسُنَا عَنْ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ} [5] .

ومما يدخل في الصبر، الصبر على ضعف أتباع الحق وفقرهم وقِلة حيلتهم، فإن هؤلاء هم أتباع الرسل، وهم كتيبة الحق التي يتنزل عليها النصر، فهم أرق أفئدة وأقرب إلى الله تعالى، وأبعد من الدنيا وزخرفها، وأسرع إلى البذل والتضحية، قال صلى الله عليه وسلم: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم؟» [6] . وقال تعالى ـ عن حجة قوم نوح ـ {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} [7] ، وقال تعالى ـ عن حجة كفار مكة ـ {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ} [8] ، وسَأَل هرقل أبا سفيان لما جاءه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟) قال أبو سفيان (بل ضُعَفَاءَهُمِ) فقال هرقل (وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ) [9] . وقال الله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [10] .

فاعلم يا أخي المسلم أن الدعوات لا يُحكم عليها بعدد أتباعها ولا بثرواتهم أو مراكزهم وإنما يحكم عليها بموافقة مناهجها للحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - (الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك) ، ثم يحكم عليها بعد صحة المنهج بصدق أتباعها في الأخذ به.

ولما كان الغالب على دعوة الحق في مبدئها قلة عدد أتباعها وضعفهم، كان للسابقين منهم منزلة لا تدانيها منزلة من اتَّبَع الدعوة حال قوتها، وهذه هي فضيلة السبق والمبادرة التي أشار الله تعالى إليها في قوله سبحانه لا يَسْتَوِي

(1) - سورة هود، الآية: 40

(2) - سورة الشعراء، الآة: 54

(3) - متفق عليه عن ابن عباس.

(4) - سورة سبإ، الآية: 35

(5) - سورة يوسف، الآتيان: 110 ـ 111

(6) - رواه البخاري

(7) - سورة الشعراء، الاية: 111

(8) - سورة الزحرف، الآيتان: 31 ـ 32

(9) - متفق عليه عن ابن عباس.

(10) - سورة الكهف، الآية: 28

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت