فهرس الكتاب

الصفحة 391 من 403

مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [1] ، ذلك لأن البدء في أي أمرٍ شاقٌ لا يقوى عليه إلا الأفذاذ أصحاب الهمم العالية، وما أنذَرهم، فإذا قام الأمر دخل فيه آخرون ممن لا يقوون على تحمل مشقة البدء فكانوا أدنى منزلة ممن سبقهم، {وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} . إن البدء في أمر الدعوات الحقة لا تكتنفه المشقة فقط بل يكتنفه ما هو أشد من ذلك وهو الخوف من بطش شياطين الإنس أعداء الحق، كما قال تعالى: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ} [2] ، وهذا هو الإيمان في الخوف الذي فَرَّق الله تعالى به بين الصحابة أنفسهم، فجعل الفتح (وهو صلح الحديبية في آية الحديد السابقة) جعله سبحانه فُرقانا بين الصحابة، فكانت منزلة من آمن قبل الحديبية أعظم من منزلة من آمن بعدها، ذلك لأن الحديبية كان فرقانا بين الخوف قبلها والأمن بعدها، إذ أَمِنَ الناسُ بعد الصلح ودخل في عامين (6 ـ 8هـ) أضعاف من دخله في تسعة عشر عاما (من البعثة إلى الصلح في 6 هـ) ، فقد كان مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ألف وأربعمائة صحابي، وكان معه يوم فتح مكة ـ بعد الحديبية بعامين ـ عشرة آلاف صحابي رضي الله عنهم أجمعين، وبهذا تتبين لك منزلة الإيمان على الخوف، فليحرص المسلم على فضيلة السبق والمبادرة ولا يثبطه الشيطان عن ذلك بمشقة الطريق وبقلة عدد سالكيه وضعفهم وببطش أعدائهم فإن الحق غالب لا محالة، قال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي} [3] ، وقال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ} [4] ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «واعلم أن النصر مع الصبر» .

ومما يدخل في الصبر في ميدان الجهاد، الصبر على الأمير، الصبر على طاعته في العسر والصبر على طاعته في المكره، والصبر على طاعته وإن استأثر بشيء دون الرعية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُه فَلْيَصْبِرْ» [5] ، وسوف يأتي تفصيل هذا في الفصل القادم (ما يلزم الأعضاء في حق أميرهم) .

ومن أهم ما يدخل في الصبر، الصبر على أذى الإخوة رفاق الطريق، فإن ميدان الجهاد يجمع مسلمين على مستويات تربوية متفاوتةـ فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله تعالى، ولابد من أن يتعايشوا معا من أجل المصلحة الشرعية العليا وهي جهاد أعداء الدين، فنوصي الظالم لنفسه بأن يتقي الله في نفسه وفي إخوانه ونوصي الكل بالصبر على أذى إخوانهم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» [6] . وهذا الصبر هو من صفات المتقين كما قال

(1) - سورة الحديد، الآية: 10

(2) - سورة يونس، الآية: 83

(3) - سورة المجادلة، الآية: 21

(4) - سورة المطففين، الآية: 26

(5) متفق عليه.

(6) - رواه البخاري عن ابن عمر في الأدب المفرد (388) ورواه ابن ماجه بسند حسن (فتح الباري 10/ 512)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت