فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 403

تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [1] ، ومع هذا الأجر الذي يناله المسلم بالصبر على أذى إخوانه، فإن هناك فائدة أخرى يحصل عليها المسلم بمخالطة الناس وهي أنه يعرف آفات نفسه فمن كان سريع الغضب لا يدرك هذا من نفسه ما لم يخالط الناس ويتعرض لأذاهم، فإن فعل، أدرك آفات نفسه وسعى في تقويمها. وهكذا كثير من آفات النفس لا يدركها العبد إلا بالمخالطة.

وقد أردت التنبيه على هذا الأمر خاصة وأن كثيرا من المسلمين يصبرون على أذى الأعداء ولا يصبرون على أذى إخوانهم، كما قال الشاعر:

وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على النفس من وقع الحسام المهنّد.

فأردت أن أعلمهم بأن الصبر على أذى الإخوة واجب، وأننا نتعبد بالصبر على غيره، ونرجو به الأجر والثواب من الله تعالى.

وهنا تنبيه آخر متعلق بسابقه، وهو أن سوء سلوك بعض الإخوة قد يدفع بالبعض الآخر إلى ترك ميدان الجهاد بحجة أنه لا يجوز الجهاد مع مثل هؤلاء، أو أنه لا فائدة من الجهاد مع مثل هؤلاء، أو أنه لا يتنزل النصر على مثل هؤلاء، أو أنه ما جئنا للجهاد إلا لمقاومة الفساد فكيف يكون في صفوفنا فاسدون، أو أنه ينبغي أن نؤجل الجهاد حتى ننهض بالمستوى التربوي للإخوة. وكل هذه أعذار باطلة، وقد تحدثت في الباب الثاني عن الأعذار الغير الشرعية وهذه منها، كما أشرت إلى هذا في الملحق الرابع بآخر مسألة الإعداد الإيماني حيث ذكرت أن العدالة ليست من شروط وجوب الجهاد، وأن الفسق ليس بسقط للخطاب بالجهاد إجماعا.

وقد اتفق الفقهاء على أن حفظ الدين مقدم على حفظ النفس في الضروريات الشرعية الخمس، فالجهاد الذي به حفظ الدين واجب وإن أدى إلى القتل، فكيف يتحمل المسلم القتل والجراح ولا يتحمل أذى إخوانه من أجل قيام الجهاد واستمراره حفظا لدين الله تعالى؟ ثم إنه مع ذلك ـ مأجور بصبره على أذى إخوانه ـ كما أسلفت ـ إن شاء الله تعالى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يتصبر يصبره الله، وما أعطى أحد عطاء خيرا وأسع من الصبر» [2] ، ومعناه أن الصبر خلق يُكْتسب بالمجاهدة «يَتَصَبَّر» تارة فتارة حتى يصير الصبر خلقا لازما للعبد، وقد أشرت إلى هذا في الباب الرابع.

ونحن ـ في مقام معاملة الإخوة المسلمين ـ تطالب الأخ المسلم بدرجة أعلى من درجة الصبر وهي العفو عمن ظلمه والإحسان لمن أساء إليه كما قال تعالى: {خُذْ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ} [3] ، قال ابن حجر في التفسير: [روى ـ ابن جرير ـ عن جعفر الصادق وقال: ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها ـ إلى قوله ـ وروى الطبري مرسلا، وابن مردويه موصولا من حديث جابر وغيره، لما نزلت {خُذْ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ} "سأل جبريل،"

(1) - سورة آل عمران، الآية: 134

(2) - متفق عليه عن أبي سعيد.

(3) - سورة الأعراف، الآية: 199

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت