ويُقيِّدُ الجُمهورُ هذا المَوضِعَ: بعَدَمِ زِيادَةِ عَدَدِ الكُفَّارِ عَلَى ضِعفَي عَدَدِ المسلمينَ، فإنْ زادَ جَازَ لهُم الفِرارُ، خِلافًَا للظَّاهِرِيَّةِ [1] .
2 -إذا استَنفَرَ الإمَامُ شَخصًَا بِعَينِهِ أو طَائفَةً أو أهلَ بَلدَةٍ بعَينِهَا، فيُصبِح الجِهَادُ في حَقِّهِم فَرضَ عَينٍ [2] .
لوجُوبِ طَاعَةِ الإمَامِ، ولِقَولِهِ تَعَالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ * إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [3] .
قالَ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ - رحمه الله:"اقتَضَى ظَاهِرُ الآيَةِ وجُوبَ النَّفِيرِ عَلَى مَن يُستَنْفَرُ" [4] .
ولِحَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ) ) [5]
قالَ أبو العَبَّاسِ القُرطُبِيُّ - رحمه الله:"أي: طَلَبَ مِنكُم الإمَامُ النَّفِيرَ، وهو: الخُروجَ إلى الغَزْوِ، فحِينَئذٍ يَتعيَّنُ الغَزْوُ عَلَى مَن استُنفِرَ بِلا خِلافٍ" [6] .
قالَ النَّوَوِيُّ - رحمه الله:"إِذَا طَلَبَكُمْ الْإِمَام لِلْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَاد فَاخْرُجُوا" [7] .
قال الشَّوكَانِيُّ - رحمه الله:"يَجِبُ عَلَى مَن استَنفَرَهُ الإمَامُ أنْ يَنفِرَ ويَتعيَّنَ ذَلِكَ عَليهِ، ولِهَذا تَوعَّدَ اللهُ سُبحَانه مَنْ لمْ يَنفِر مَعَ رَسُولِهِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَال: (إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (، وعَاتَبَهُم لمَّا تَخلَّفُوا عَن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (إلى آخرِ الآيَةِ، وعَلَى استِنفَارِ الإمَامِ يُحمَلُ قولُهُ: (انْفِرُوا خِفَافًا (" [8] .
(1) قال ابن حزم - رحمه الله - بعد أن ذكر احتجاجهم بآية (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ .. (وبأثر ابن عباس:(وَإِنَّ فَرَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ) :"وَأَمَّا الآيَةُ فَلاَ مُتَعَلَّقَ لَهُمْ فِيهَا ; لأََنَّهُ لَيْسَ فِيهَا لاَ"
نَصٌّ، وَلاَ دَلِيلٌ بِإِبَاحَةِ الْفِرَارِ، عَنِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ ; وَإِنَّمَا فِيهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ أَنَّ فِينَا ضَعْفًا , وَهَذَا حَقٌّ إنَّ فِينَا لَضَعْفًا، وَلاَ قَوِيَّ إِلاَّ وَفِيهِ ضَعْفٌ بِالإِضَافَةِ إلَى مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ إِلاَّ
اللَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ فَهُوَ الْقَوِيُّ الَّذِي لاَ يَضْعُفُ، وَلاَ يُغْلَبُ. وَفِيهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَفَّفَ عَنَّا فَلَهُ الْحَمْدُ وَمَا زَالَ رَبُّنَا َعَالَى رَحِيمًا بِنَا يُخَفِّفُ عَنَّا فِي جَمِيعِ الأَعْمَالِ الَّتِي أَلْزَمْنَا. وَفِيهَا: أَنَّهُ
إنْ كَانَ مِنَّا مِائَةٌ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ , وَإِنْ يَكُنْ مِنَّا أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ , وَهَذَا حَقٌّ , وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْمِائَةَ لاَ تَغْلِبُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْنِ، وَلاَ أَقَلَّ أَصْلًا، بَلْ قَدْ تَغْلِبُ ثَلاَثَمِائَةٍ , نَعَمْ
وَأَلْفَيْنِ وَثَلاَثَ آلاَفٍ، وَلاَ أَنَّ الأَلْفَ لاَ يَغْلِبُونَ إِلاَّ أَلْفَيْنِ فَقَطْ لاَ أَكْثَرَ، وَلاَ أَقَلَّ , وَمَنْ ادَّعَى هَذَا فِي الآيَةِ فَقَدْ أَبْطَلَ وَادَّعَى مَا لَيْسَ فِيهَا مِنْهُ أَثَرٌ , وَلاَ إشَارَةٌ , وَلاَ نَصٌّ , وَلاَ دَلِيلٌ بَلْ قَدْ
قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاَللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (، فَظَهَرَ أَنَّ قَوْلَهُمْ لاَ دَلِيلَ عَلَيْهِ أَصْلًا". المحلى(7/ 2933) ."
(2) المبسوط (10/ 4) ، شرح مختصر خليل، الخرشي (9/ 445) ، حاشية القليوبي (4/ 214) ، المغني (13/ 8) ، المحلى (5/ 342) .
(3) التوبة (38 - 39) .
(4) أحكام القرآن (4/ 308) .
(5) صحيح البخاري (1834 - 2783 - 2825 - 3077 - 3189) ، صحيح مسلم (3368 - 4936) .
(6) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم.
(7) شرح صحيح مسلم (13/ 8 - 9) .
(8) السيل الجرار، الشوكاني (942) ، والآيات في سورة التوبة (39 - 120 - 41) .