-وكذا التَّجَسُّسُ [1] ، وهو طَلَبُ أخبَارِ العَدوِّ.
لما روى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ يَاتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ ) )؟ يَوْمَ الأَحْزَابِ، قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، ثُمَّ قَالَ: (( مَنْ يَاتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ ) )؟ قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ ) ) [2] .
قالَ ابنُ حَجَرٍ - رحمه الله:"وفي الحَدِيثِ جَوَازُ استِعمَالِ التَّجَسُّسِ في الجِهَادِ" [3] .
وحُذيفَةُ - رضي الله عنه - أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَيْلَةَ الأحزَابِ: (( أَلاَ رَجُلٌ يَاتِينِى بِخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ) [4] .
قَالَ النَّوَوِيُّ - رحمه الله:"أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ وَأَمِير الْجَيْش بَعْث الْجَوَاسِيس وَالطَّلَائِع لِكَشْفِ خَبَر الْعَدُوّ" [5] .
-ويدخلُ فيه أيضًا: إيهَامُ العدوِّ بِكَثرَةِ العَدَدِ والعَتَادِ، وإشَاعَةُ الفُرقَةِ بينَهم، وبَثُّ الرُّعْبِ فِيهِم، وتَخذِيلُهُم عَن المُسلِمِينَ، ونَصْبُِ الكَمَائنِ والألغَامِ لهم، ونحوُ ذلك.
ب- حُكْمُ الكَذِبِ في الحَرْبِ:
وأمّا الكَذِبُ فيها فالعلماءُ فيه على قَولينِ:
-القَولُ الأوَّلُ: جَوازُ الكَذِبِ حَقِيقَةً، وهوَ قولُ طائفَةٍ، ومِنهُم: النَّوَوِيُّ [6] ، وابنُ العَرَبِيِّ [7] .
ودَلِيلُهُم: أنَّ أمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ - رضي الله عنها - قالتْ: سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ: (( لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِى خَيْرًا ) ).
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ:"وَلَمْ أَسْمَعْه يُرَخَّصُ فِى شَىْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ: الْحَرْبُ، وَالإِصْلاَحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا" [8] .
ونُوقِشَ: بأنَّ المُرَادَ بالكَذِبِ: ليسَ الكَذِبَ المَحضَ، وإنما هوَ استِعمَالُ المعَارِيضِ.
(1) المجموع (19/ 280) .
(2) البخاري (2846 - 2847 - 2997 - 7261 - 4113 - ) واللفظ له، مسلم (6396) .
(3) فتح الباري (6/ 35) .
(5) شرح صحيح مسلم (12/ 146) .
(6) شرح صحيح مسلم، النووي (12/ 45) .
(7) فتح الباري، ابن حجر (6/ 159) .
(8) رواه مسلم (6799) .