فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 109

ويُسمِّيها آخرونَ (العَمَليَّاتِ الانتِحَارِيَّةِ) إشارةً إلى تحريمِهَا.

وهذِهِ التَّسْمِيَةُ لا تَصِحُّ [1] ، لأنَّ فيها تسوِيَةً بينَ الانتِحَارِ المُحرَّمِ شَرعًا، وبينَ العَمَليَّاتِ التي يُقصَدُ بها مُجَاهَدةُ العَدوِّ وطلبُ الشَّهادَةِ، ولا عِبْرةَ بقِياسِهَا على الانتِحَارِ لأنَّه مَعَ الفَارِقِ [2] ، فالمُنتَحِرَ لم يُقدِم على الانتِحَارِ إلا بِسَبَبِ الجَزَعِ وعَدَمِ الصَّبرِ وضَعْفِ الإيمانِ أو انتِفَائهِ، خِلافًَا للمُجاهِدِ الذي ما أقدَمَ عليها إلا لقصْدِ النِّكايةِ في العَدوِّ، والنُّصْرةِ للدِّينِ، والإعلاءِ لكلمةِ ربِّ العالمين، مع قُوَّةِ إيمانٍ ويَقينٍ وحُسْنِ ظنٍّ بالله عزَّ وجلَّ [3] ، كما أنَّه مَعَ إقدَامِهِ عليها لا يَقصِدُ مُجردَ قتْلِ نفسِهِ، لأنَّه لو أرادَ ذلك لاكتَفَى بقَتْلِهَا فَقَط دُونَ أن يُلحِقَ الضَّررَ بغيرِهَا، بلْ حمَلَهُ على ذلك طلَبُ الشَّهادِة والرَّغبةُ فيها وقصْدُ النِّكايةِ بالعدوِّ [4] ، ففرقٌ واضِحٌ وبونٌ شاسِعٌ بينهما، فتأمَّلْهُ!.

ويُمكِنُ تَلخِيصُ الفُروقِ بينِ المُنتَحِرِ والقَائمِ بالعَمَلِيَّةِ الاستِشهَادِيَّةِ فيما يَلِي [5] :

1 -أنَّ المُنتَحِرَ يَقتُلُ نفْسَهَ قاصِدًا قَتْلَهَا، وصَاحِبُ العَمَلِيَّةِ الاستِشْهَادِيَّةِ في الحَقِيقَةِ هو لا يُرِيدُ قَتْلَ نَفْسِهِ، ولكِنْ يُرِيدُ النِّكَايَةِ في الأعْدَاءِ بما لا يُمَكِّنُهُ مِنْ ذلك إلا بِقَتْلِ نفْسِهِ، ويَدُلُّ عَليهِ: أنَّه لو أرادَ قَتْلَ نفْسِهِ؛ لفَعَلَ ذلك وهُو في مَكَانِهِ ولم يَحْتَجْ إلى أنْ يَقْتَحِمَ المَخَاطِرَ للوصُولِ إلى الأعْدَاءِ، فهو عِنْدَما يُفَجِّرُ لا يَقْصِدُ بذلك قَتْلَ نفْسِهِ أصْلًا وإنما يُرِيدُ قَتْلَ عَدُوِّهِ، فتذْهبُ نفْسُهُ هُنا تَبَعًا لا قَصْدًا، ويَجُوزُ تَبَعًَا مَا لا يَجُوزُ استِقْلالًا.

2 -أنَّ المُنتَحِرَ يَقتُلُ نفْسَهَ استِعجَالًا للمَوْتِ وجَزَعًَا على قَدَرِ اللهِ، أمَّا صَاحِبُ العَمَلِيَّةِ الاستِشهَادِيَّةِ فيُقدِمُ عليها إعْلاءً لكَلِمَةِ اللهِ، ونُصْرَةً للمُستَضْعَفِينَ، ودِفَاعًا عَنْ أعْرَاضِ المُسلِمِينَ ودِمَائهِم ودِيَارِهِم.

3 -أنَّ المُنْتَحِرَ يَقْتُلُ نفْسَهَ دون مَصْلَحَةً شَرْعِيَّةً، أمَّا صَاحِبُ العَمَلِيَّةِ الاستِشهَادِيَّةِ، فيَقتُلُ نفسَهَ مِنْ أجْلِ مَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ وهيَ النِّكَايَةُ في صُفُوفِ الأعْدَاءِ وقَذفُ الرُّعبِ في قُلوبِهِم وحثُّ المسلمينَ وتَشجِيعُهُم وتجرئتُهُم على عَدوِّهِم.

(1) قال الشيخ سليمان العلوان - ثبته الله وفك أسره:"والتسوية بين الانتحار المحرم شرعًا بالكتاب والسنة والإجماع، وبين العمليات الاستشهادية؛ تسوية جائرة وقسمة ضيزى. ومعاذ"

الله أن يستوي رجل قتل نفسه في سبيل الشيطان، وآخر قدّم نفسه ودمه في طاعة الرحمن، فو الله ما استويا ولن يتساويا، فالمنتحر يقتل نفسه من أجل نفسه وهواه؛ نتيجة للجزع وعدم

الصبر وقلة الإيمان بالقضاء والقدر ونحو ذلك، وذاك الفدائي يقتل نفسه أو يتسبب في قتلها بحثًا عن التمكين للدين وقمعًا للأعداء وإضعافًا لشوكتهم وزعزعة لسلطانهم وكسرًا لباطلهم"."

الجلسات اليومية للشيخ - حفظه الله - (4/ 1) .

وقال الدكتور أحمد عبد الكريم نجيب - حفظه الله:"بل من التجنّي و مجاوزة الحق؛ أن نحكم بالانتحار على من يريد الشهادة و يبذل نفسه في سبيل الله، تحكّمًا في نيّته، وتحكمًا على ..."

ما في قلبه بغير علم، مع علمنا أنه لو أراد الانتحار لسلك إليه طرقًا أخرى و ما أكثرها و أيسرها". الفتاوى الندية في العمليات الاستشهادية (46) ."

(2) فتوى الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي - رحمه الله -.

قلت: إضافة مع كونه قياسًا مع الفارق، فإن العلة ليست هي مباشرة القتل، وإلا لكان المعترض لطريق القطار - مثلا - غيرَ منتحر، وإنما هي التخلص من الحياة سخطًا واعتراضًا على

قدر الله.

(3) انظر: هل انتحرت حواء أم استشهدت؟ (4) .

(4) انظر: العمليات الاستشهادية، هاني الجبير (14) .

(5) انظر: عون الحكيم الخبير، أبو المنذر الحربي (484) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت