الصفحة 54 من 82

الثابت أن الصراع التاريخي على هوية مصر وعقيدتها لم يتوقف قبل الثورة. لكنه بعد الثورة بدأ يتمايز، خاصة في ضوء الأحداث التي أعقبت «المليونية» . ففي المستوى الأول من التحليل يمكن القول بامتياز أن مواجهات الميدان بين المعتصمين والأمن المركزي أعادت وقائع الصراع إلى أصوله الأولى التي بموجبها انطلقت الثورةـ واكتسبت مشروعيتها وزخمها الطبيعي ... ثورة بين الشعب من جهة، والنظام وحلفائه من النخب اللبرالية والعلمانية واليسارية، من الجهة الأخرى، بعيدا عن الاسترشاد بأية أيديولوجيا أو التعويل على أي تشكيل سياسي. وفي المستوى الثاني ظهرت بوادر تمايز واضحة، في المواقف، فيما بين القوى السياسية، على خلفية الاحتجاجات التي تطالب المجلس العسكري بالتنحي الفوري، وتسليم السلطة لمجلس مدني.

هذا التمايز يتبلور في صيغة مختلفة عما مضى، وغدت إحدى أهم تجلياته ترى أن مصير الثورة وهوية الأمة ودماء الناس أهم وأولى من الديمقراطية والانتخابات، التي لم تعد أولوية لمن يتمسكون بمطلب التنحي، وحجة هؤلاء تكمن في خشيتهم من الأداء السياسي والأمني للمجلس العسكري، أو بسبب ما تولد لديهم من شكوك تنظر إليه بعين الريبة والغضب لقاء ما بدا أنها تفاهمات بينه و «المركز» ، حول حاضر مصر ومستقبلها. أما الذين يرون بقاء المجلس حتى تنتهي الفترة الانتقالية؛ فهم أولئك الذين يراهنون على الوصول إلى الانتخابات المنتظرة باعتبارها رأس المال الذي يستحق المراهنة عليه، ويتطلعون، بحرقة، إلى اليوم، (28/ 11/2011) ، الذي تفتح فيه صناديق الاقتراع. لكن السؤال الذي لا بد منه: هل أولويات الشعب المصري هي ذات الأولويات عند بعض القوى السياسية أو المجلس العسكري؟

كل الشواهد، خلال الفترة الانتقالية الماضية، تؤكد العكس تماما. وكل الشواهد تذهب إلى أن المجلس يجتهد في المحافظة على قواعد النظام في شتى مؤسسات الدولة والمجتمع بكل ما أوتي من قوة. فحتى اللحظة لا يبدو الأداء السياسي والأمني والقانوني للمجلس العسكري، محليا، إلا نسخة شبه مطابقة للنظام السابق والقائم. هذا لأنه أصلا لم يكن سوى شريكا أساسيا لذات المنظومة الحاكمة، التي تقاسمت السلطة مع النظام. وإذا كان النظام السياسي البائد قد تلاعب بثقافة مصر ونهب ثرواتها ومواردها واستباح حرية الأمة وعقيدتها وأمنها القومي وأسلمها لأعدائها فالنظام العسكري كان ولمّا يزل يحافظ على منطق النظام وأدواته، حتى هذه اللحظة. وكل ما في الأمر أن الواجهة الرخوة للنظام ذهبت بينما بقيت الواجهة القوية له.

ما هي إنجازات الجيش خلال الفترة الماضية؟ سؤال!!! تجيب عليها مخرجات المجلس العسكري الذي أبقى على حكومة أحمد شفيق لبعض الوقت، وهي آخر حكومات حسني مبارك!!! ثم حكومة عصام شرف، المجردة من أية صلاحية، ورمزها البغيض يحيى الجمل، وخلفه الغضيب علي السلمي، ثم إعادة العمل بقانون الطوارئ، والزج بالأبرياء في السجون، وإطلاق يد البلطجية وفلول النظام، والحيلولة دون عودة الشرطة إلى عملها مع السماح لها بقمع المحتجين وقتل العشرات منهم، بينما عجز عن حماية أرواح جنوده في حادثة ماسبيرو، ثم إبقائه على كردون الإعلام الموالي للنظام، وقالب الحقائق، والمحرض على كل فتنة تصيب البلاد والعباد، وغض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت