كاميليا وملحمة التوحيد
«الكفار» و «المؤمنون»
مات شنودة يوم 17/ 3/2012 عن 89 عاما، مخلفا وراءه ظلمات وفتن ودماء ودموع وآهات وأنين، لم ينقطع بعد، بحق الأبرياء والبريئات في سجون الأديرة، ممن لا ذنب لهم أو لهن إلا أنهم اهتدوا إلى الإسلام دينا، كما خلف حشودا من المضلَّلين والمغيَّبين وأهل الفتن والنفاق والبدع وأصحاب الهوى والمصالح، ممن لم يلتزموا بالإسلام شريعة، فضلوا وأضلوا خلقا كثيرا بقدر ما فسدوا وأفسدوا في ربوع أرض الكنانة، الغالية، بتاريخها وأهلها على قلب كل مسلم. هذا رغم أن المسيحيين أنفسهم يكتفون بتعزيتهم بعبارة «البقاء لله» إلا أن الانبطاح والانحطاط بالغوا في التعزية حتى صار «قديسا» بعيونهم، لا يأتيه الباطل من خلفه ومن بين يديه، تماما مثلما هو بعيون أتباعه.
يحدث هذا رغم أن «أهل الغلو» يعرفون أن الإسلام، بمقتضى الحكم الشرعي، وأيًّا كانت الظروف، لا يقبل العواطف ولا المجاملات ولا الرياء ولا النفاق ولا الميوعة ولا هذا ولا ذاك. ورغم أنهم يعرفون أن المسلم يمكن له أن يقع في الكفر أو في أية صفة من الصفات المذكورة وغيرها بما فيها الخروج من الملة. لكن ما ينال من المسلم لا يمكن له أن ينال من دين تكفل الله، عز وجل، بحفظه وسيادته، ولو كره الكافرون.
فالذين حزنوا على شنودة أو عظموه أو ترحموا عليه يعرفون جيدا عن تنظيم «جماعة الأمة القبطية» الذي أسسه ورعاه شنودة منذ خمسينات القرن الماضي .. ويعرفون عن خطته الرهيبة للهيمنة على مصر وتنصيرها، والتي نشرها الشيخ محمد الغزالي في كتاب «قذائف الحق» .. ويعرفون متى؟ وكيف؟ وفي أي حكم قضائي؟ هدد شنودة قائلا: «حخلي الدم للركب من الإسكندرية إلى إسوان» .. ويعرفون كيف استهدف هوية مصر كاملة بزرعه لأضخم الكنائس في العالم في شتى أنحاء البلاد ..
هؤلاء يعرفون أنه أفتى بتحريم الترحم على غير المسيحيين .. ويعرفون عن هيمنته على وسائل الإعلام المصرية بشتى أنواعها، وعن فضائياته المعادية للإسلام، وسبها للرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم .. ويعرفون عن تهديدات مساعديه، للمسلمين بالرحيل عن مصر باعتبار أتباعه «أصل البلد» فيما بقية الشعب المصري «ضيوف» حان وقت رحيلهم، ويعرفون متى وكيف شكك الأنبا بيشوي، خليفته المحتمل، بالقرآن الكريم، لما اتهم الصحابي الجليل عثمان ابن عفان بتحريف القرآن بإضافة الآية الكريمة: {لَقَدْ كَفَرَ الذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ} - (المائدة: 72) .. ويعرفون عن سعي شنودة المستميت في إثارة الفتن والتحريض عليها .. ويعرفون عن دعمه لأقباط المهجر وتحالفهم مع الكونغرس الأمريكي ودولة اليهود في فلسطين، وتحريضهم على التدخل الدولي في مصر، وأخيرا إعلانهم عن دولة قبطية في مصر .. ويعرفون عما فعلته «مدارس الأحد» من تعميق لبذور الكراهية والحقد والفتنة .. ويعرفون عن سعي كنيسته الأرثوذكسية المرقصية لاستعادة اللغة المصرية القديمة بدلا من اللغة العربية ..
هؤلاء وأمثالهم يعرفون رفض شنودة الانصياع لأي قانون مصري، وسياسته في الابتزاز .. ويعرفون كيف نجح في تحويل أتباعه إلى «شعب» مستقل باسم «شعب الكنيسة» .. ويعرفون كيف تحولت الكنيسة إلى دولة فوق الدولة .. وكيف حرَّم شنودة على الأمن المصري تفتيش الكنائس والأديرة التي تغص بالأسلحة القادمة من «إسرائيل» عبر موانئ بورسعيد .. ويعرفون معاناة كل من يهتدي إلى الإسلام من المسيحيين في مصر .. ويعلمون علم اليقين مآلات من يقع منهم بأيدي الكنيسة مثلما هو حال وفاء قسطنطين وكاميليا شحاته وأخواتهما .. ويعرفون التحالفات العميقة لشنودة مع نظام حسني مبارك، وكيف دعم التوريث .. ويعرفون موقفه من الثورة المصرية لما حرَّم على أتباعه المشاركة في انطلاقتها .. يعرفون كل هذا وأكثر.
لكن كل هؤلاء وأمثالهم، من العامة والخاصة، لم يسددوا، في يوم ما، ثمن أي فاتورة عقدية .. فإن لم يكن شنودة على ملتهم فما الذي أحزنهم عليه؟ ولماذا كانوا كرماء في الترحم على مشرك أو كافر بينما انعقدت ألسنتهم من الانتصار للشيخ وجدي غنيم، ولو بكلمة شرعية، أو من الترحم على مجاهدي الأمة؟ فعلى أية عقيدة هؤلاء؟ ولأية ملة ينتمون؟