الصفحة 59 من 82

تعم البلاد .. مسؤولية تتجاوز الاتهام والتشكيك والإهمال والتقصير لترتقي إلى مستوى الإدانة .. لكنها إدانة لم تستثن المجلس العسكري من بعض مضامينها أو كلها. ففي اليوم التالي للمذبحة أصدر د. محمد بديع، المرشد العام للإخوان المسلمين، بيانا تحدث فيه عن: «أفراد ومجموعات ممن يتبنون نظريات هدم كل مؤسسات الدولة ويتلقون أموالا وتدريبات في الخارج على إثارة الفوضى والتخريب» ، مشيرا إلى أن: «هؤلاء تعلمهم جهات الرقابة والتحقيق والمجلس العسكري ولديهم الأدلة والمستندات ومع ذلك يتم التسويف في إحالتهم للمحاكم خوفا من استفزازهم أو إغضاب أطراف خارجية» ، واتهم الشرطة بـ «التقاعس» ، وأن هناك: «ضباط يعاقبون الشعب على قيامه بثورته واسترداده لحريته وحقوقه» .

إذن المجلس العسكري يعلم جيدا ما يجري في البلاد لكنه لا يحرك ساكنا!!! فمما لم تعد عين تخطئه أنه رغم مضي عام على الثورة إلا أن رموز النظام ما زالوا يحتلون قواعد الحياة السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية والإعلامية والقضائية والأمنية والدينية. أما البلطجية فيحكمون الشارع، و «الفلول» صاروا سادة السلطة. وإلى يومنا هذا لم يُدِن القضاء متهما في جريمة قتل، رغم وقوع مئات القتلى وآلاف الجرحى والمتضررين، خلال الثورة وبعدها، ولا حتى ذلك الضابط القناص الذي تخصص بفقء العيون. بينما أفرج القضاء عن كل متهم لبرالي أو علماني أو بلطجي أو مشبوه، وأكثر من ذلك أفرج عن مدانين ومحكومين بجرائم جنائية، وفي المقابل أصر القضاء على احتجاز أبرياء في السجن، بلا ذنب، مثل الشيخ أبي يحيى الذي برأته النيابة من تهمة التحريض على الفتنة في أعقاب حادثة كنيسة إمبابة بينما أفرج عن قتلة ضحايا رصاص الكنيسة الاثني عشر مثلما أفرج عن القسيسين فلوباتير وماتياس اللذين تحديا الجيش وحرضا على الفتنة، وقادا حفلة سفك دماء معلنة في واقعة «ماسبيرو» .

وأكثر من ذلك؛ فقد استعاد المجلس العسكري قانون الطوارئ وعمل على تفعيل القضاء العسكري على حساب القضاء المدني في اعتقال المدنيين ومحاكمتهم. ومع ذلك تغافل عن تحريض سامح نجيب أحد رموز الاشتراكيين الثوريين على إسقاط الجيش والدولة دون أن يتعرض لمساءلة أو احتجاز وقائي، كما تغافل عما تفعله سوزان مبارك التي أرسلت رسالة لأعضاء في الكونغرس الأمريكي تستعطفهم وتهددهم بكشف أستارهم إذا لم يتدخلوا لإنقاذ زوجها من حبل المشنقة .. ومع ذلك لا تجد من يسائلها!! ومن الأعجب أن تستجيب سوزان مبارك لتهديدات حسين سالم إذا كرر محامي زوجها إقحامه في مرافعاته أمام المحكمة في قضايا صفقة الغاز المصري لـ «إسرائيل» ، أو في زياراتها المتكررة لسجن ليمان طرة، حيث يقبع رموز النظام، وكذا المركز الطبي العالمي، مقر احتجاز الرئيس المخلوع، أو فيما تمتلكه من وسائل اتصال خارج المراقبة .. وما من معطى واحد جعلها موضع مساءلة من أحد، وكأنها ما زالت نزيلة القصر الرئاسي!!! فأين المشكلة إنْ لم تكن في سياسات الجيش؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت