الأرجح أن المصريين يتحملون قسطا كبيرا مما يرونه «أخطاء» المجلس. فما من مصيبة تحل في البلاد إلا وتجد من يقول أن المجلس هو من حمى الثورة، وهو «عزّ مصر وكرامتها» ، وهو «حامي الدولة» ، وهو «خط الدفاع الأخير عن مصر» ، وهو «المؤسسة الوحيدة الناجية» ، وهو .. وهو .. وهو .. وكان بإمكانه أن «يولع في البلد» لكنه لم يفعل كرامة منه!!! وكأنها وظيفته الطبيعية!!!
لعل المشكلة ليست في «ضعف أداء» المجلس العسكري ولا هي في «أخطائه» لكنها فيما يخشى. ففي قراءة طريفة قدمتها صحيفة «الفايننشال تايمز 5/ 2/2012» تقول فيها: «إن المجلس العسكري يرفض إصلاح مؤسسة الشرطة المستبدة الفاسدة، على الرغم من افتقار البلاد للأمن وسيادة القانون؛ لأنه يعتبر ذلك تقويضا لمكانته» ، وفي إشارتها إلى: «استمرار الاعتقالات والحصول على اعترافات بالتعذيب لا تزال مستمرة، وعدم وجود مساءلة للقوى التي تظن أن واجبها حماية النظام وليس الشعب» .. وتؤكد أن المجلس العسكرى: «يشجع هذا السلوك والتوجه داخل الوزارة، ويرى أن إصلاح جهاز الشرطة هجوم مستتر على مكانته» ، وأنه: «برفضه إعادة هيكلة الوزارة فإنه يخنق الثورة» .
لا ريب أن تاريخية الجيش المصري ونشأته لا تشابهها أية تاريخية لأي جيش عربي. لكنه بات مؤسسة كأي مؤسسة تعمل وتستظل بنظام «سايكس - بيكو» ، وصار مؤسسة تنافس وتصارع على السلطة مستفيدا من تاريخيته، ومع الوقت غدا القوة الحاسمة في السلطة حتى في ظل عصر الطغاة. فهو يملك قرابة نصف الاقتصاد المصري، وتَقاسَم مع السلطة السياسية المساعدات الأمريكية طوال ثلاثة عقود، وأثبت أنه صاحب القول الفصل في الأحداث الكبرى. فأي مبرر يجعله يضحي بمثل هذه المكانة؟
في خضم الأيام الثمانية عشر من الثورة ظل دوره مراقبا سلبيا للحدث. وظل وفيا للنظام السياسي حتى أنه لم يمنع «واقعة الجمل» التي سقط فيها مئات الثوار أمام ناظريه، بل أن الفيديوات المسربة مؤخرا أظهرت أن جحافل البلطجية دخلوا ميدان التحرير بحمايته، وبدؤوا الهجوم تحت سيطرته التامة. وما ردعه عن ارتكاب الحماقات إلا مصالحه المرتبطة بـ «المركز» ، وخشيته من مواجهة ملايين الثوار في الشوارع. لذا فقد سارع إلى التضحية برأس النظام السياسي قبل أن تفلت الأمور بطريقة يخسر فيها كما يخسر «النظام» و «المركز» معا .. فلماذا يخشى البعض أن «يولع الجيش في البلد» ؟
أما السمة الأخلاقية التي يسبغها المصريون على الجيش فقد أصبحت محل تساؤل بعد فضيحة اختبار الكشف عن العذرية التي كانت ضحيتها 17 فتاة. وبحسب شهادة إحداهن فقد أجبر الجيش في مراكز الاعتقال العسكري التابعة له الفتيات على التعري بالكامل بدعوى «فحص العذرية - 9/ 3/2011» ، وبشكل مشين ومحرج، وفي غرفة ذات بابين مفتوحين على بعضهما، ومن قبل جنود وليس مجندات!!! ولا شك أنه إجراء متعمد لا مبرر له إلا إخراج العنصر النسائي من أية فعاليات اجتماعية أو احتجاجات مناهضة، عبر الإذلال وكسر للإرادات، بحيث يسري الخبر بين الأهالي الذين سيفضلون الاحتفاظ ببناتهن بدلا من تعريضهن لأذى بالغ لن يتفهمه أحد