بمكة والمسلمون يومئذ قليل، وليس لهم سلطان يقهر المشركين، وكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله المسلمين، من يجازي منهم أن يجازي بمثل ما أُتي إليه أو يصبر أو يعفو فهو أمثل، فلما هاجر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وأعزّ الله سلطانه أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سُلطانهم، وأن لا يعدوَ بعضهم على بعض كأهل الجاهلية).
ففيه أن الآية نزلت بمكة.
الثاني:
أن الآية مدنية، نزلت في شأن قتال المشركين، رواه الطبري عن مجاهد، ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير بإسناد ضعيف وقال:
(وروي عن عطاء ومجاهد ومقاتل بن حيان نحو قول سعيد [1] .
قال أبو جعفر الطبري رحمه الله:
(وقال آخرون: بل معنى ذلك فمن قاتلكم أيها المؤمنون من المشركين، فقاتلوهم كما قاتلوكم، وقالوا: أنزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وبعد عُمرة القضيَّة) .
قال: (وأشبه التأويلين بما دلّ عليه ظاهر الآية، الذي حُكي عن مجاهد، لأن الآيات قبلها إنما هي أمرٌ من الله للمؤمنين بجهاد عدوهم على صفة، وذلك قوله: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يُقاتلونكم} والآيات بعدها، وقوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} ، إنما هو في سياق الآيات التي فيها الأمرُ بالقتال والجهاد، واللهُ جل ثناؤه إنما فرض القتال على المؤمنين بعد الهجرة.
فمعلوم بذلك أن قوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} مدني لا مكيّ، إذ كان فرض قتال المشركين لم يكن وَجَب على المؤمنين بمكة، وأنّ قوله: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} نظيرُ قوله: وقاتلوا في
(1) جامع البيان (1/ 392) .