فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 100

فاعتدوا عليه الآية، لأن القصاص من المعتدي أيضًا ليس باعتداء كما هو ظاهر، وإنما أُدي بغير لفظه للمشاكلة بين اللفظين [1] .

الجواب الثاني:

أن المعاقبة بالمثل اعتداء لفظًا ومعنى، وإنما فارقت الاعتداء من جهة الحكم.

قال ابن العربي رحمه الله:

(والذي أقول فيه: إن الثاني كالأول في المعنى واللفظ؛ لأن معنى الاعتداء في اللغة مجاوزة الحد، وكلا المعنيين موجود في الأول والثاني؛ وإنما اختلف المتعلق من الأمر والنهي؛ فالأول منهي عنه، والثاني مأمور به، وتعلق الأمر والنهي لا يغير الحقائق ولا يقلب المعاني؛ بل إنه يكسب ما تعلق به الأمر وصف الطاعة والحسن، ويكسب ما تعلق به النهي وصف المعصية والقبح؛ وكلا الفعلين مجاوزة الحد، وكلا الفعلين يسوء الواقع به: وأحدهما حق والآخر باطل [2] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

( {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} وقول بعضهم إن هذا ليس بعدوان في الحقيقة، وإنما سماه عدوانًا على سبيل المقابلة، كما قالوا مثل ذلك في قوله: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} لا يُحتاج إليه، فإن العدوان المطلق هو مجاوزة الحد المطلق، وهذا لا يجوز في حقه إلا إذا اعتدى فيتجاوز الحد في حقه بقدر تجاوزه [3] .

المسألة الخامسة: إذا كان رد العدوان بمثله مباحًا، فلماذا ذكره الله بصيغة الأمر{فاعتدوا}؟ وفيه ثلاثة جوابات:

الأول: أن الوجوب إنما هو لمتعلق الأمر وهو المثلية دون إرباء، فأوجب علينا سبحانه أن لا نزيد في الجزاء على قدر العدوان، قال بهذا ابن عاشور رحمه الله عند قول

(1) أضواء البيان (2/ 467 - 468) .

(2) أحكام القرآن (1/ 161) .

(3) مجموع الفتاوى (28/ 182) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت