حرام وبلد حرام فنزلت {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه} أي: من قاتلكم من المشركين في الحرم فقاتلوه [1] .
المسألة الرابعة: فإذا تقرر ما تقدم ففي ذكر الله للمعاقبة بالمثل بلفظ الاعتداء {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} ، جوابان لأهل العلم:
الأول: أن المعاقبة بالمثل ليست اعتداءً حقيقة، وإنما ذكرت بهذا اللفظ من باب المشاكلة لقوله {فَمَنِ اعْتَدَى} ، والمشاكلة أن يعبر عن الشيء بغير لفظه لصحبته في السياق، وهو من الأساليب المعهودة في كلام العرب.
قال الزجاج رحمه الله:
(وسُمًيَ الثاني اعتداءً لأنه مجازاة اعتداء فسمي بمثل اسمه، لأن صورة الفعلين واحدة، وإن كان أحدهما طاعة والآخر معصية، والعرب تقول ظلمني فلان فظلمته، أي جازيته بظلمه. وجهل عليَّ فجهلت عليه أي جازيته بجهله، قال الشاعر:
ألا لا يجهلنَّ أحد علينا *** فنَجهل فوق جهل الجاهلينا
أي فنكافئ على الجهل بأكثر من مقداره.
وقال الله عز وجل: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} ، وقال: {فَيسْخرون منهم سَخر اللَّهُ مِنْهُمْ} ، جعل اسم مجازاتهم مكرًا كما مكروا، وجعل اسم مجازاتهم على سخريتهم سُخريًا [2] ، فكذلك: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [3] .
(1) نواسخ القرآن (1/ 256 - 260) .
(2) قول الله تعالى: {ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين} وقوله: {فيسخرون منهم سخر الله منهم} ، يثبتان صفة المكر وصفة السخرية لله سبحانه وتعالى، فهما صفتان فعليتان يفعلهما ربنا سبحانه بمن يستحقهما، فنثبت هاتين الصفتين لله عز وجل على وجه يليق بجلاله وكماله من غير تشبيه بخلقه، كما أثبتهما سبحانه لنفسه، ولا يُشتق له عز وجل من هاتين الصفتين اسم، ولا يجوز وصف الله بهما على سبيل الإطلاق، بل على سبيل المجازاة كما وصف بهما نفسه جل في علاه، وهما في هذا الموضع صفتا حسن وكمال، قال ابن القيم رحمه الله:(لا يجوز ذم هذه الأفعال على الإطلاق، كما لا تمدح على الإطلاق، والمكر والكيد والخداع لا يذم من جهة العلم ولا من جهة القدرة، فإن العلم والقدرة من صفات الكمال، وإنما يذم ذلك من جهة سوء القصد وفساد الإرادة، وهو أن الماكر المخادع يجور ويظلم بفعل ما ليس له فعله أو ترك ما يجب عليه فعله.
إذا عرف ذلك فنقول: إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقًا، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى، ومن ظن من الجهال المصنفين في شرح الأسماء الحسنى أن من أسمائه الماكر المخادع المستهزئ الكائد فقد فاه بأمر عظيم تقشعر منه الجلود، وتكاد الأسماع تصم عند سماعه، وغر هذا الجاهل أنه سبحانه وتعالى أطلق على نفسه هذه الأفعال فاشتق له منها أسماء، وأسماؤه كلها حسنى فأدخلها في الأسماء الحسنى، وأدخلها وقرنها بالرحيم الودود الحكيم الكريم، وهذا جهل عظيم، فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقًا، بل تمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله مطلقا، فلا يقال: إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد، فكذلك بطريق الأولى لا يشتق له منها أسماء يسمى بها -إلى أن قال- والمقصود أن الله سبحانه لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد علم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق، فكيف من الخالق سبحانه) [مختصر الصواعق: 306 - 307] .
(3) معاني القرآن وإعرابه (1/ 265) .