الدليل الثاني
قال الله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) } [النحل] .
وفي الآية خمسة مسائل:
المسألة الأولى: في معنى الآية، قال أبو السعود رحمه الله:
( {وإن عاقبتم} أي إن أردتم المعاقبة على طريقة قول الطبيب للمحتمي: إن أكلت فكل قليلًا، {فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} أي بمثل ما فعل بكم ... والمقصود إيجاب مراعاة العدل مع من يناصبهم من غير تجاوز ... {ولئن صبرتم} أي عن المعاقبة بالمثل، {لهو} أي لصبركم ذلك، {خير} لكم من الانتصار بالمعاقبة، وإنما قيل: {للصابرين} مدحا لهم وثناء عليهم بالصبر، أو وصفا لهم بصفة تحصل لهم عند ترك المعاقبة [1] .
المسألة الثانية: وقد صح في سبب نزول الآية ما رواه الترمذي [2] والنسائي عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أُصِيبَ مِنَ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا، وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ مِنْهُمْ حَمْزَةُ، فَمَثَّلُوا بِهِمْ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: لَئِنْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ يَوْمًا مِثْلَ هَذَا لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} فَقَالَ رَجُلٌ: لَا قُرَيْشَ بَعْدَ اليَوْمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:(( كُفُّوا عَنِ القَوْمِ إِلَّا أَرْبَعَةً ) ).
ورواه عبدالله بن الإمام أحمد في زيادات المسند [3] بإسناده عن أُبي قال: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قُتِلَ مِنَ الْأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا، وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ
(1) إرشاد العقل السليم (5/ 151 - 152) مختصرًا.
(2) سنن الترمذي (3129) .
(3) مسند الإمام أحمد (35/ 152) .