وعن حديث: (ولاتخن من خانك) جوابات أُخر، وليس هذا موطن استقصائها، ولا موطن ذكر الراجح من أقوال أهل العلم في مسألة الظفر، وإنما هذا استطراد ألجأ إليه السياق.
والقصد أنه ليس في قول الحبر ابن عباس رضي الله عنهما تعرض لعموم الآية في إباحة معاقبة المعتدي بمثل ما اعتدى.
وقد تمهد بما سبق وجه الجمع بين الروايات، فليس لدعوى نسخ إباحة المعاقبة بالمثل سند ولا معتمد، والله أعلم.
المسألة الرابعة: في سبب تسمية فعل بادئ العدوان عقابًا {بمثل ما عوقبتم} مع أنه لو كان عقابًا لكان مستحقًا، ولما جاز المعاقبة عليه، وعن ذلك ثلاثة أجوبة:
الأول: أنه من باب إطلاق اسم المسبَّب على السبب، قال أبو السعود رحمه الله:
( {فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} أي بمثل ما فعل بكم وقد عبر عنه بالعقاب على طريقة إطلاق اسم المسبب على السبب نحو كما تدين تدان [1] .
الثاني: أنه من باب المشاكلة والمزاوجة والازدواج، قاله الزجاج والزمخشري وغيرهما، قال ابن عاشور رحمه الله:
(والمعاقبة: الجزاء على فعل السوء بما يسوء فاعل السوء، فقوله: {بمثل ما عوقبتم} مشاكلة لـ {عاقبتم} ، استعمل عوقبتم في معنى عوملتم به، لوقوعه بعد فعل عاقبتم، فهو استعارة وجه شبهها هو المشاكلة [2] .
الثالث: أن تسمية فعل بادئ العدوان عقابًا على حقيقته، وجْهُهُ أن العقوبة ما عوقب به المرء من شر، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية [3] ، وليس بظاهر.
(1) إرشاد العقل السليم (5/ 152) .
(2) التحرير والتنوير (14/ 335) .
(3) الفتاوى الكبرى (6/ 130) .