فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 100

أصح القولين، وأجراهما على ظواهر النصوص وعلى القياس أن لك أن تأخذ قدر حقك من غير زيادة، لقوله تعالى في هذه الآية: {فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} الآية، وقوله: {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} .

وممن قال بهذا القول: ابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وسفيان، ومجاهد، وغيرهم.

وقالت طائفة من العلماء منهم مالك: لا يجوز ذلك ; وعليه درج خليل بن إسحاق المالكي في مختصره بقوله في الوديعة: وليس له الأخذ منها لمن ظلمه بمثلها.

واحتج من قال بهذا القول بحديث: (أد الأمانة إلى من ائتمنك. ولا تخن من خانك اهـ) ، وهذا الحديث على فرض صحته لا ينهض الاستدلال به، لأن من أخذ قدر حقه ولم يزد عليه لم يخن من خانه، وإنما أنصف نفسه ممن ظلمه [1] .

قلت: ويمكن الجواب عن حديث (ولا تخن من خانك) على فرض صحته، بحمل النهي فيه على التنزيه، وقد حكاه في سبل السلام عن الجمهور، والنهي وإن اقتضى التحريم في الأصل، إلا أن حمله هنا على التنزيه يعضده أمران:

الأول: ضعف طرق الحديث، حتى حكى ابن الجوزي عن الإمام أحمد أنه قال: حديث باطل لا أعرفه من وجه يصح، وأنكره أبو حاتم، وقال الشافعي: ليس بثابت عند أهل الحديث. وضعفه ابن حزم، وأعله البيهقي وابن القطان، وقال ابن الجوزي: لا يصح من جميع طرقه [2] .

وقال ابن الملقن: له طرق ستة كلها ضعاف [3] .

الثاني: وهو مبني على الأول، أنه لما عارض الحديث تلك العمومات الصحيحة الصريحة، القاضية بإباحة معاقبة المعتدي بمثل ما اعتدى، لم ينهض هذا الحديث مع ما في طرقه من ضعف لتخصيصها، فكان حمل النهي فيه على التنزيه أولى لما ذكرنا.

(1) أضواء البيان (2/ 467) .

(2) انظر البدر المنير (7/ 297 ومابعدها) .

(3) خلاصة البدر المنير (2/ 150) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت