الأول: أنه إن كان سبب الحق ظاهرًا لا يحتاج إلى بينة، جاز له الأخذ من غير ما اؤتمن عليه، وإن كان خفيًا وينسب الآخذ إلى الخيانة لم يجز، وهذا ما أجاب به الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله حين سُئل عن حديث هند رضي الله عنها، وحديث (لا تخن من خانك) فقال:
(هذه تسمى مسألة الظَفَر، فمن الناس من منع مطلقًا، واستدل بقوله:(( ولا تخن من خانك ) )ومنهم من أباح مطلقًا، واستدل بحديث هند، ومنهم من فصل، وقال: حديث هند له موضع، والآخر له موضع، فإن كان سبب الحق ظاهرًا لا يحتاج لبينة، كالنكاح والقرابة وحق الضيف، جاز الأخذ بالمعروف، كما أذن لهند، وأذن للضيف إذا منع أن يعقبهم بقدر قراه.
وإن كان سبب الحق خفيًا، وينسب الآخذ إلى خيانة أمانته، لم يكن له الأخذ وتعريض نفسه للتهمة والخيانة، ولعل هذا أرجح الأقوال، وبه تجتمع الأدلة، وأما إذا قدر على استيفاء حقه من مال الغاصب من غير أمانته، ولا يمكن رفعه إلى الحاكم، فلا أعلم في هذا بأسًا، وقد أفتى به ابن سيرين، وقرأ قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [1] .
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وقد خصصوا عموم الأدلة المبيحة للمعاقبة بالمثل، بحديث (ولا تخن من خانك) .
والقول الثاني: أن له أخذ قدر حقه إذا أمن التهمة بأي وجه، من غير فرق بين ظهور الحق وخفائه، ومن أخذ قدر حقه فليس بخائن، قال الأمين الشنقيطي عليه رحمة الله:
(يؤخذ من هذه الآية حكم مسألة الظَفَر، وهي أنك إن ظلمك إنسان بأن أخذ شيئًا من مالك بغير الوجه الشرعي ولم يمكن لك إثباته، وقدرت له على مثل ما ظلمك به على وجه تأمن معه الفضيحة والعقوبة، فهل لك أن تأخذ قدر حقك أو لا؟
(1) الدرر السنية (6/ 415) .