يكون متفقًا عليه بين أهل العلم أنه لا يقيم الحدود إلا الإمام أو نائبه، إلا ما اختلفوا فيه من إقامة السيد الحد على عبده، فتخصيص عموم قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} بما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما إنما هو تخصيص لعموم إباحة المعاقبة بالمثل من جهة كيفية الاستيفاء، وهذا لا إشكال فيه، ولا غبار عليه.
فأما ما سوى الحدود والدماء من المظالم والحقوق، فقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح [1] لهند بنت عتبة رضي الله عنها أن تأخذ من مال أبي سفيان رضي الله عنه ما يكفيها وولدها بالمعروف، لَمَّا أخبرته أنه ليس يعطيهم ما يكفيهم، وأباح لأصحابه إذا نزلوا بأرض قوم ولم يُقرُوهم ما ينبغي للضيف أن يأخذوا منهم حق الضيف [2] ، ولأهل العلم في هذه المسألة خلاف وتفصيل، وهي تسمى عندهم بمسألة الظَفَر [3] ، ولعل أمثل ما قيل فيها قولان:
(1) صحيح البخاري (2460) و (5364) و (7161) و (7180) .
(2) صحيح البخاري (2461) وصحيح مسلم (17 - 1727) .
(3) قال ابن القيم رحمه الله:(قد اختلف الفقهاء فيها على خمسة أقوال:
أحدها: ... أنه ليس له أن يخون من خانه، ولا يجحد من جحده، ولا يغصب من غصبه، وهذا ظاهر مذهب أحمد ومالك.
والثانى: يجوز له أن يستوفى قدر حقه، إذا ظفر بجنسه أو غير جنسه، وفى غير الجنس يدفعه إلى الحاكم يبيعه ويستوفى ثمنه منه، وهذا قول أصحاب الشافعى.
والثالث: يجوز له أن يستوفى قدر حقه، إذا ظفر بجنس ماله، وليس له أن يأخذ من غير الجنس، وهذا قول أصحاب أبى حنيفة.
والرابع: أنه إن كان عليه دين لغيره لم يكن له الأخذ، وإن لم يكن عليه دين فله الأخذ. وهذا إحدى الروايتين عن مالك.
والخامس: أنه إن كان سبب الحق ظاهرًا كالنكاح والقرابة وحق الضيف، جاز للمستحق الأخذ بقدر حقه، كما أذن فيه النبى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم لهند أن تأخذ من مال أبى سفيان ما يكفيها ويكفى بنيها.
وكما أذن لمن نزل بقوم ولم يضيفوه أن يعقبهم في مالهم بمثل قراه ... وإن كان سبب الحق خفيًا، بحيث يتهم بالأخذ وينسب إلى الخيانة ظاهرًا، لم يكن له الأخذ وتعريض نفسه للتهمة والخيانة وإن كان في الباطن آخذًا حقه. كما أنه ليس له أن يتعرض للتهمة التى تسلط الناس على عرضه، وإن ادعى أنه محق غير متهم.
وهذا القول أصح الأقوال وأسدها، وأوفقها لقواعد الشريعة وأصولها، وبه تجتمع الأحاديث.) [إغاثة اللهفان 2/ 75 - 77] .